العشرية التونسية: صراع الهوية بين المشروع البورقيبي وخيارات ما بعد الثورة
العشرية التونسية: صراع الهوية بين المشروع البورقيبي وخيارات ما بعد الثورة

العشرية التونسية: صراع الهوية بين المشروع البورقيبي وخيارات ما بعد الثورة

المشهد التونسي تحت مجهر الوقائع.. قراءة صحفية مسؤولة تلتزم بإرادة الشعب

 

بقلم الاستاذ المحلل السياسي الليبي ادريس احميد

 

نواصل البحث والقراءة في المشهد التونسي، انطلاقًا من مسؤوليتنا الإعلامية والمهنية، وحرصنا على تقديم قراءة تستند إلى الوقائع والتحليل، بعيدًا عن الإثارة أو الاصطفافات السياسية. فمن موقعنا كصحفيين وباحثين، نؤمن بأن احترام إرادة الشعب التونسي وسيادة الدولة التونسية هو الأساس في أي تناول مسؤول لما يجري في هذا البلد العربي العزيز.

ولا ننطلق في هذه القراءة من منطلق التأييد لهذا الطرف أو ذاك، وإنما من قناعة بأن الإعلام الحقيقي يحمل رسالة إنسانية ووطنية، تقوم على البحث عن الحقيقة، واحترام خيارات الشعوب، والدفاع عن استقرار الدول ومؤسساتها، باعتبار أن أمن تونس واستقرارها يمثلان ركيزة مهمة لاستقرار منطقة المغرب العربي بأسرها.

ونحن ندرك أن أي قراءة سياسية قد لا تخلو من اجتهادات أو زلات في التقدير، فالكمال ليس من طبيعة العمل البشري، لكن ما نحرص عليه دائمًا أن تكون النية صادقة، والهدف مهنيًا وإنسانيًا، وأن يكون الحوار قائمًا على احترام الشعوب، والإيمان بأن الكلمة المسؤولة ينبغي أن تسهم في البناء لا في الانقسام.

عندما نتأمل التجربة التونسية، نجد أن الدولة الحديثة قامت على مشروع قاده الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، الذي أدرك مبكرًا أن ثروة تونس الحقيقية ليست النفط أو الغاز، وإنما الإنسان. ولذلك جعل التعليم والصحة وبناء المؤسسات والإدارة الحديثة في مقدمة أولويات الدولة، واستثمر في تكوين الشخصية التونسية، مؤمنًا بأن المعرفة هي الطريق إلى التنمية والاستقلال الحقيقي.

ويُنسب إلى بورقيبة قوله: “اقرؤوا وسوف يأتون إليكم”، في إشارة إلى أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة، وأن الموقع الجغرافي لتونس بين ليبيا والجزائر يمكن أن يتحول إلى ميزة اقتصادية إذا امتلكت البلاد الكفاءات القادرة على الإنتاج والإبداع.

كما استفادت تونس من خبرات وتجارب دول متقدمة، وفي مقدمتها فرنسا، في مجالات التعليم والصحة والإدارة والاقتصاد، مع المحافظة على خصوصية الدولة التونسية وهويتها الوطنية.

ولم يتوقف المشروع البورقيبي عند بناء مؤسسات الدولة، بل امتد إلى إصلاح المجتمع، وتعزيز مكانة الأسرة، وتمكين المرأة، وإصدار مجلة الأحوال الشخصية التي مثلت محطة مفصلية في تاريخ تونس الحديث. وقد أثارت تلك الإصلاحات جدلًا واسعًا في حينها، لكنها أصبحت لاحقًا جزءًا من هوية الدولة التونسية الحديثة.

كما خاض بورقيبة مواجهة فكرية مع التيارات التي سعت إلى توظيف الدين في العمل السياسي، انطلاقًا من قناعته بأن الدولة تُدار بالقانون والمؤسسات، مع استمرار تونس في دعم القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، دون أن تتخلى عن مشروعها الوطني في بناء الدولة.

ومع وصول الرئيس زين العابدين بن علي إلى الحكم، استمرت الدولة في كثير من السياسات التنموية والإدارية، وعززت علاقاتها العربية والدولية، وطورت شراكاتها مع الاتحاد الأوروبي، وأسهمت في تأسيس اتحاد المغرب العربي. غير أن سنوات حكمه شهدت أيضًا اتساعًا في الفساد، وتراجعًا في الحريات، وهو ما أدى إلى اندلاع ثورة 2011، التي طالبت بالحرية والكرامة والتداول السلمي على السلطة.

ورغم صعوبة المرحلة الانتقالية، فإن تونس تمكنت من تجنب الانهيار بفضل وعي مجتمعها، وقوة مؤسساتها، ودور منظماتها الوطنية، وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل.

وبرزت حركة النهضة كأحد أهم الفاعلين السياسيين في مرحلة ما بعد الثورة. ويرى منتقدو الحركة أن أولوياتها لم تنصب بالدرجة الأولى على معالجة الملفات الاقتصادية والتنموية، بل على ترسيخ مشروع سياسي ذي مرجعية إيديولوجية، اعتبره كثيرون محاولة لإعادة صياغة هوية الدولة والمجتمع، بما يتعارض مع الإرث الذي تأسست عليه الدولة التونسية الحديثة. ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن التجربة لم تقدم حلولًا اقتصادية وتنموية بالمستوى الذي كان ينتظره التونسيون، وأسهمت في تعميق الاستقطاب السياسي خلال سنوات الانتقال.

ومن هذا المنطلق، يرى مؤيدو الرئيس قيس سعيّد أن الإجراءات التي أعلنها في 25 جويلية 2021 جاءت لتصحيح مسار الدولة، واستعادة دور مؤسساتها، ووضع حد لما يصفونه بالعشرية السوداء، التي شهدت، بحسب تقييمهم، تعثرًا اقتصاديًا، واستقطابًا سياسيًا، وتراجعًا في أداء مؤسسات الدولة.

كما يعتقد هؤلاء أن تونس تعرضت لضغوط وتدخلات إقليمية ودولية سعت إلى التأثير في مسارها السياسي، وأن الديمقراطية لا ينبغي أن تتحول إلى أداة لخدمة أجندات خارجية، بل يجب أن تكون وسيلة لحماية سيادة الدولة وتحقيق التنمية والاستقرار.

وفي المقابل، لا تزال هذه الإجراءات محل نقاش داخل تونس وخارجها، بين من يراها تصحيحًا للمسار، ومن يعتبر أنها أثرت في مسار الانتقال الديمقراطي. إلا أن ما لا يختلف عليه كثيرون هو أن تونس لا يمكن أن تحقق تنمية مستدامة أو ممارسة ديمقراطية مستقرة دون اقتصاد قوي، ومؤسسات فاعلة، وسيادة للقانون، وأمن يحمي الدولة والمجتمع.

ومن وجهة نظري كمتابع للشأن التونسي، فإن تونس تمتلك من الوعي، والكفاءات، والإرث المؤسسي، ما يؤهلها لتجاوز هذه المرحلة. فالحل لا يكمن في العودة إلى الصراعات الإيديولوجية، ولا في استنساخ تجارب أثبتت محدودية قدرتها على معالجة الأزمات، وإنما في بناء توافق وطني يضع مصلحة تونس فوق كل اعتبار، ويعيد توجيه الجهود نحو الإصلاح الاقتصادي، وتطوير التعليم، وتحسين الخدمات، وتعزيز الاستثمار.

إن الشعب التونسي الذي قدّم تضحيات كبيرة من أجل الحرية والكرامة، يستحق دولة قوية وعادلة، تحفظ مكتسباته، وتصون سيادته، وتفتح أمام شبابه آفاق العمل والأمل. وستظل تونس، بما تمتلكه من تاريخ وحضارة وإنسان، قادرة على استعادة مكانتها، متى اجتمع أبناؤها على مشروع وطني جامع يجعل الدولة فوق الأحزاب، والمصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.

شاهد أيضاً

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»... حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»… حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

 بقلم الكاتب والمحلل السياسي سعد محمد عبدالله – السودان      يمثل كتاب «مستقبل بلد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *