السودان و«إيساف»: خطوات نحو دور إقليمي فاعل في صناعة الأمن والإستقرار
السودان و«إيساف»: خطوات نحو دور إقليمي فاعل في صناعة الأمن والإستقرار

السودان و«إيساف»: خطوات نحو دور إقليمي فاعل في صناعة الأمن والإستقرار

بقلم الكاتب والمحلل السياسي سعد محمد عبدالله – السودان 

 


 

تشكل مخرجات الجولة السادسة والثلاثين لإجتماعات واضعي السياسات لآلية شرق أفريقيا للتعاون الأمني «إيساف»، التي إنعقدت في العاصمة الأوغندية كمبالا، تطورًا مهمًا في مسار التعاطي الإقليمي مع قضايا الأمن والإستقرار في السودان وشرق أفريقيا، ولا سيما في ظل إستمرار الحرب وتداعياتها المتسعة على دول الجوار، إذ تكتسب تلك الإجتماعات أهمية خاصة من زاوية تأكيدها على المبادئ التي قامت عليها الآلية، وفي مقدمتها تعزيز التعاون المشترك، وحفظ السلام والأمن، وإحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ومن هذا المنطلق، فإن الإشارة إلى إستمرار تقديم بعض الدول الأعضاء أشكالًا مختلفة من الدعم لمليشيا الدعم السريع تطرح قضية جوهرية تتجاوز حدود السودان، لأنها ترتبط مباشرة بمصداقية المؤسسات الإقليمية وقدرتها على الإلتزام بالمبادئ التي أُنشئت من أجل حمايتها؛ فالأمن الإقليمي المراد ترسيخ قواعده لا يمكن أن يتحقق في ظل إستمرار تدفق السلاح والتمويل والدعم السياسي والعسكري إلى المليشيات المسلحة التي تعمل ضد الدولة وشعبها، لأن مثل هذه التدخلات تؤدي إلى إطالة أمد الحروب، وتوسيع رقعة عدم الإستقرار، وخلق أزمات عابرة للحدود؛ ولذلك، فإن موقف السودان أمام الإجتماع يمثل دعوة واضحة إلى إعادة الإعتبار لمبدأ السيادة الوطنية وعدم التدخل، وربط الأمن الجماعي بمسؤولية جميع الدول الأعضاء، دون إستثناء أو إزدواجية في المعايير.

 

يكتسب قرار إسناد رئاسة «إيساف» للسودان خلال عام 2027م، مع إستضافة إجتماعات الآلية، دلالة سياسية وأمنية مهمة، خصوصًا أنه جاء في ظل ظروف إستثنائية معقدة يمر بها السودان نتيجة الحرب وتداعياتها الإنسانية والأمنية والإقتصادية، ويمكن قراءة هذا القرار باعتباره إعترافًا آخر بالدور التاريخي للسودان داخل المنظومة الإقليمية، وبمكانته كإحدى الدول المؤسسة للآلية، فضلًا عن إمتلاكه خبرات عسكرية وأمنية متراكمة في مجالات حفظ السلام، والتعامل مع الأزمات والنزاعات، والمساهمة في معالجة هشاشة الحكم والإدارة في بعض الدول؛ كما أن عدم فرض عقوبات على السودان بسبب المتأخرات المالية يمثل موقفًا عمليًا يأخذ في الإعتبار الظروف القاسية التي تمر بها الدولة السودانية حاليًا، ويعكس أهمية الحفاظ على تماسك المؤسسات الإقليمية وعدم تحويل الإلتزامات المالية إلى أدوات للعقاب، لا سيما في أوقات الأزمات التي تحتاج إلى إكثار التفكير في حلها وصناعة واقع جديد ومختلف؛ غير أن هذه الخطوة تضع في الوقت ذاته مسؤولية كبيرة على السودان، إذ إن تولي الرئاسة لا ينبغي أن يكون مجرد التربع على موقع بروتوكولي، بل فرصة ثمينة لتعزيز دور الآلية في دعم قضايا الأمن الجماعي، وتطوير قدراتها في الإستجابة للأزمات، والدفع نحو مقاربة إقليمية أكثر فاعلية لمعالجة النزاعات بصورة شاملة، ومن المهم أن يستثمر السودان توليه هذه الرئاسة في بناء توافق إقليمي يقوم على إحترام السيادة، ومنع التدخلات الخارجية، وتطوير التعاون الأمني، وربط معادلة الأمن بالإستقرار السياسي والتنمية العادلة للريف والمدينة.

 

أما إشادة المجلس بجاهزية السودان لتقديم الدعم والمقدرات الجوية اللازمة للمساعدات الإنسانية في المنطقة، فهي تحمل رسالة مهمة جدًا بشأن إستمرار المؤسسات السودانية في أداء أدوارها الإقليمية، رغم الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد؛ فالسودان ليس مجرد دولة متأثرة بأزمات الإقليم، وإنما يمثل جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن الجماعي في شرق أفريقيا، ومأساة شعبه تزن أعتى الجبال، وبحكم موقعه الجغرافي وإتساع حدوده وتشابك مصالحه مع عدد كبير من دول المنطقة، فإن الحفاظ على دوره داخل «إيساف» ينبغي أن يكون جزءًا من رؤية أوسع لإعادة بناء العلاقات الإقليمية على أساس المصالح المشتركة والإحترام المتبادل والنظرة الإستراتيجية لقضايا المستقبل، وفي المقابل، فإن التحدي الأكبر والأهم أمام الآلية يتمثل في تحويل القرارات والمبادئ المعلنة إلى إجراءات عملية، خصوصًا فيما يتعلق بمنع الدعم للمليشيات المسلحة التي تحاول فرض أجندة حكومات الإستعمار، وينبغي توسيع حزام الرقابة على الحدود، ومواجهة عمليات تهريب السلاح والإتجار بالمخدرات، وتطوير آليات الإنذار المبكر والإستجابة السريعة للأزمات في كل مكان؛ فالتجارب السابقة أثبتت أن تجاهل مصادر النزاعات أو التعامل معها بصورة إنتقائية، ولمس الجرح بأطراف الأصابع، يؤدي حتمًا إلى تراكم الأزمات بدلًا من حلها، ومن هنا، فإن «إيساف» مطالبة بتطوير أدواتها السياسية والأمنية، وأن تكون أكثر فاعلية وقدرة على التحرك الجماعي عند تعرض إحدى دولها الأعضاء لتهديدات تمس أمنها وإستقرارها، مع التأكيد التام على أن أي تحرك إقليمي يجب أن يحترم سيادة الدول والقانون الدولي، وأولوية الحلول السياسية، وليس محاولات فرض الوصاية وإستلاب القرار الوطني.

 

إن نتائج إجتماع كمبالا تُعد إنجازًا تاريخيًا لإرتباطها بمسألة إنصاف الحق والحقيقة وإبطال الأباطيل، وتفتح أمام السودان فرصة مهمة لإعادة ضخ الدماء في شرايينه وتنشيط حضوره داخل المؤسسات الإقليمية، وإستثمار عضويته المؤسسة في «إيساف» بصورة تخدم مصالحه الوطنية وتعزز، في الوقت نفسه، أمن شرق أفريقيا؛ بيد أن نجاح هذه المهمة يتطلب رؤية واضحة تتجاوز البيانات السياسية والمواقف الدبلوماسية إلى بناء شراكات ذكية وعملية قادرة على مواجهة كافة مصادر عدم الإستقرار؛ فالأمن الإقليمي منظومة مترابطة، وأي تهديد يستهدف دولة واحدة يمكن أن يتحول، بفعل الحدود المفتوحة وتداخل المصالح ورخاوة الأمن، إلى خطر يطال دولًا أخرى، ولذلك، فإن وقف الدعم الخارجي للجماعات المسلحة يجب أن يكون مبدأً ثابتًا، لا موقفًا ظرفيًا تحكمه الحسابات السياسية الضيقة؛ كما أن رئاسة السودان للآلية في عام 2027م ينبغي أن تُستثمر في طرح مبادرات لتعزيز التعاون العسكري والأمني، ودعم عمليات حفظ السلام، وتطوير أدوات فعالة للإستجابة للكوارث والأزمات الإنسانية، وتبادل المعلومات والخبرات بين الدول الأعضاء، وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يسعى السودان بجدٍ وجهد إلى بناء موقف إقليمي موحد يحترم سيادته ووحدته وسلامة أراضيه، ويدعم حقوق شعبه الكريم في إنهاء الحرب وإستعادة مؤسسات الدولة؛ ونرى أن «إيساف» الآن أمام إختبار حقيقي لمصداقيتها، والسودان أمام فرصة لإثبات قدرته على الإنتقال من موقع المتأثر بالأزمة إلى موقع الفاعل في صناعة الأمن الإقليمي، بما يعزز الإستقرار والسلام والتعاون في شرق أفريقيا.

 

اقرا ايضا

الدبلوماسية السودانية في مسار العودة إلى الهيئات الإقليمية

شاهد أيضاً

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»... حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»… حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

 بقلم الكاتب والمحلل السياسي سعد محمد عبدالله – السودان      يمثل كتاب «مستقبل بلد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *