بقلم الكاتبة نورهان الغرباني _ اليمن

في زمن تتدفق فيه المعلومات على شاشاتنا بلا توقف، لم يعد السؤال: هل نقرأ؟ بقدر ما أصبح: ماذا نقرأ، وكيف نقرأ، ولماذا نقرأ؟ فوسط الأخبار السريعة، والمقاطع القصيرة، والعناوين التي تتنافس على انتباهنا، تظل القراءة واحدة من أكثر الأدوات قدرة على بناء معرفة متماسكة، وتدريب العقل على الفهم والتحليل، لا مجرد استهلاك المعلومات.
القراءة، في مفهومها الحديث، تتجاوز القدرة على فك الكلمات. وتعرّف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) الكفاءة القرائية بأنها القدرة على فهم النصوص واستخدامها وتقييمها والتفكير فيها والتفاعل معها؛ من أجل تحقيق الأهداف، وتنمية المعرفة والقدرات، والمشاركة في المجتمع.
القراءة لا تمنحنا المعلومات فقط
الكتاب الجيد لا يخبرنا بما نعرفه فحسب؛ بل يجبرنا على التعامل مع أفكار جديدة، وربطها بما نعرفه سابقاً، ومراجعة استنتاجاتنا. وهذه العمليات جزء أساسي من القراءة المتقدمة، التي تتطلب تحديد المعلومات، وفهمها، وتقييم جودتها ومصداقيتها، ثم بناء موقف منها.
وهذه المهارة تزداد أهميتها في العصر الرقمي؛ إذ أصبح الإنسان أمام كم هائل من النصوص والمصادر، بعضها موثوق وبعضها مضلل. ولذلك لم تعد القراءة الجيدة تعني معرفة محتوى النص فقط، بل القدرة على تمييز المعلومة من الرأي، وفحص المصدر، ومقارنة الأدلة، وعدم تصديق كل ما نقرأه. وتشير OECD إلى أن تطور القراءة الرقمية جعل القدرة على التنقل بين مصادر متعددة وتمييز الحقيقة من الرأي أكثر أهمية.
القراءة والتعلّم: علاقة تمتد إلى ما بعد المدرسة
لا تنتهي فائدة القراءة عند حدود الامتحان أو الشهادة. فقد وجدت أبحاث تعليمية علاقة قوية بين الانخراط في القراءة والكفاءة القرائية، كما تشير OECD إلى أن الطلاب الذين يشاركون في أنشطة قراءة متنوعة يكونون أكثر احتمالاً لأن يكونوا متعلمين فاعلين ويحققوا أداءً أفضل في المدرسة.
وتدعم ذلك دراسات طولية تابعت الأطفال عبر سنوات. ففي تحليل لبيانات أكثر من 6,000 مشارك في دراسة الأتراب البريطانية لعام 1970، ارتبطت القراءة المنتظمة في الطفولة بتقدم أكبر في المفردات والرياضيات خلال سنوات المراهقة، مع استمرار وجود فوائد مرتبطة بالمفردات في مرحلة لاحقة من الحياة.
لكن من المهم هنا عدم تحويل هذه النتائج إلى وعود مبالغ فيها؛ فمعظم هذه الدراسات تبحث في علاقات وارتباطات بين القراءة والنتائج التعليمية أو المعرفية، ولا تعني أن القراءة وحدها تفسر النجاح.
ماذا يحدث لعقولنا عندما نقرأ؟
القراءة نشاط ذهني مركب. نحن لا نستقبل الكلمات بصورة سلبية، وإنما نبني المعنى باستخدام المعرفة السابقة، ونراقب مدى فهمنا للنص، ونعدل استراتيجياتنا عندما نواجه فكرة صعبة أو معلومة غير واضحة.
وتشير دراسة كبيرة نُشرت في Psychological Medicine عام 2024، شملت أكثر من 10 آلاف مراهق، إلى ارتباط القراءة المبكرة للمتعة بأداء معرفي أفضل وبمؤشرات أفضل للصحة النفسية، كما وجدت ارتباطات مع بعض خصائص بنية الدماغ. ووجدت الدراسة أيضاً ارتباطاً طولياً بين القراءة المبكرة وارتفاع بعض جوانب القدرة المعرفية وانخفاض بعض أعراض مشكلات الانتباه. ومع ذلك، فإن هذه النتائج لا ينبغي تفسيرها باعتبارها دليلاً بسيطاً على أن القراءة وحدها تُحدث هذه التغيرات، لأن العلاقة بين السلوك والنتائج الصحية والمعرفية معقدة.
القراءة قد توسع قدرتنا على فهم الآخرين
حين نقرأ الأدب، ندخل إلى عوالم وتجارب ووجهات نظر مختلفة. وقد بحثت دراسات علم النفس تحديداً في العلاقة بين قراءة الأدب الخيالي وبعض جوانب الإدراك الاجتماعي، بما فيها فهم الحالات الذهنية للآخرين.
ووجد تحليل تلوي نُشر عام 2018 أثراً إيجابياً صغيراً لقراءة الأدب الخيالي في بعض جوانب الإدراك الاجتماعي، بينما خلصت مراجعة منهجية أحدث إلى أن الأدلة حول تأثير القراءة والمشاهدة الخيالية في التعاطف ونظرية العقل ما تزال موضوعاً بحثياً يحتاج إلى مزيد من الدراسة.
وهذا مهم؛ لأن القراءة ليست وصفة سحرية تجعل الإنسان أكثر تعاطفاً، لكنها قد تكون إحدى الوسائل التي تتيح له التعرض المتكرر لوجهات نظر وتجارب مختلفة.
القراءة ليست منافسة للأرقام
ليس المطلوب أن يقرأ الإنسان عشرات الكتب كل شهر، ولا أن يحول القراءة إلى سباق لعدّ الصفحات. القيمة الحقيقية تكمن في نوعية ما نقرأ، وانتظام القراءة، وقدرتنا على التفكير فيما نقرأه.
فكتاب واحد يغير طريقة تفكيرنا قد يكون أكثر أثراً من عشرات الكتب التي نمر عليها بسرعة. ومقال موثق قد يعلمنا كيف نتحقق من معلومة، ورواية جيدة قد تجعلنا نرى تجربة إنسانية من زاوية مختلفة، وكتاب علمي قد يفتح أمامنا مجالاً لم نكن نعرف عنه شيئاً.
في النهاية…
نقرأ لأن العالم أكبر من تجربتنا الشخصية، ولأن العمر الواحد لا يسمح لنا بأن نعيش كل التجارب، ونخوض كل المهن، ونسافر إلى كل الأماكن، ونتعرف إلى كل الأفكار.
القراءة تمنحنا فرصة لنستعير تجارب الآخرين، ونختبر أفكاراً لم نفكر فيها، ونتعلم دون أن نضطر إلى ارتكاب كل الأخطاء بأنفسنا.
وفي عصر لا تعاني فيه البشرية من نقص المعلومات بقدر ما تعاني من صعوبة تمييز المعلومات الصحيحة وفهمها وتقييمها، تصبح القراءة أكثر من هواية؛ إنها مهارة أساسية للتعلم، والعمل، والمشاركة الواعية في المجتمع.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: «لماذا يجب أن نقرأ؟»
بل: «كيف يمكننا أن نعيش جيداً في عالم معقد، من دون أن نتعلم كيف نقرأه؟»