التحوّل الثقافي للأجيال الشابة في ظل العولمة الرقمية
 التحوّل الثقافي للأجيال الشابة في ظل العولمة الرقمية

 التحوّل الثقافي للأجيال الشابة في ظل العولمة الرقمية

 

إعداد الكاتب والباحث كريم هاني عبد الغفار – مصر 

 

شهد الفضاء الرقمي مساء الجمعة 14 اوت 2026، انعقاد الفعالية الفكرية والعلمية المتميزة المتمثلة في الندوة الافتراضية المعنونة  بـ “التحولات الهوياتية في عصر العولمة: التصدي للتفكك الهوياتي بين الشباب” من تنظيم  “مركز الرؤية للدراسات السياسية والاستراتيجية” في مصر و”المنظمة الدولية للعلوم والتنمية” بليبيا،

وتأتي هذه الورقة العلمية من تقديم واعداد الكاتب والباحث كريم هاني عبد الغفار

 

 

 

أولاً: الإشكالية ومنطلقات الورقة

منذ ثمانينيات القرن الماضي، أفرزت الثورة التكنولوجية المتلاحقة – من انتشار الهاتف المحمول تجارياً عام 1983، إلى تعميم شبكة الإنترنت عالمياً مطلع التسعينيات، وإتاحة الشبكة العنكبوتية (Web) للاستخدام العام عام 1991 – نمطاً غير مسبوق من التفاوت المعرفي بين الأجيال المتعاقبة، عُرف اصطلاحاً بـ”الفجوة الرقمية” أو Generation Gap.

هذه الفجوة لم تعد فجوة تقنية محضة، بل تحوّلت تدريجياً إلى فجوة ثقافية وقيمية تعيد تشكيل العلاقة بين الأجيال داخل المؤسسة الأسرية بوصفها الوحدة الأولى للتنشئة الاجتماعية.

تنطلق هذه الورقة من إشكالية مركزية: إلى أي مدى أعادت العولمة الرقمية تشكيل الهوية الثقافية للأجيال الشابة (جيل Z وجيل ألفا/بيتا)، وما انعكاس ذلك على ما يمكن تسميته “السلام الرمزي” داخل الأسرة، أي ذلك التوازن غير المكتوب القائم على الطيبة والاحترام المتبادل المستمر والقدرة على التوجيه والتأثير دون اللجوء إلى القوة القسرية؟

ثانياً: الإطار المفاهيمي – خريطة الأجيال الرقمية

يستقر الأدب البحثي حول تصنيف الأجيال وفق عتبات زمنية مرتبطة بمدى انخراطها في البيئة الرقمية منذ الولادة، وهو ما يميّز بين “المهاجرين الرقميين” (Digital Immigrants) الذين وُلدوا قبل انتشار التكنولوجيا وتكيّفوا معها لاحقاً، و”المواطنين/السكان الرقميين” (Digital Natives) الذين وُلدوا وسط التقنية واعتبروها امتداداً طبيعياً لحياتهم اليومية:

الجيل المدى الزمني التقريبي الوصف
جيل X 1965 – 1980 مهاجرون رقميون؛ عاصروا التحول من التماثل إلى الرقمنة
جيل الألفية (Y / Millennials) 1980 – 1996 شهدوا انتشار الحاسوب الشخصي والإنترنت المبكر
جيل Z 1997 – 2012 الجيل الأول من “المواطنين الرقميين” بالكامل
جيل ألفا (α) 2013 – 2024 نشأ وسط الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي
جيل بيتا (β) 2025 – 2039 جيل ناشئ في ظل الذكاء الاصطناعي التوليدي

 

وتكتسب هذه الخريطة الزمنية دلالتها من كونها لا تصف تفاوتاً في أدوات الاستخدام فحسب، بل تفاوتاً في “القاموس الثقافي” ومرجعيات الهوية واللغة والانتماء الرمزي بين جيل وآخر.

 

ثالثاً: الأطر النظرية المفسّرة للظاهرة

 

تستند الورقة إلى محورين نظريين رئيسيين تتقاطع عندهما الدراسات الحديثة، أبرزها دراسة بعنوان “Cultural Transformation of Young Generations in the Digital Globalization” (نوفمبر 2025):

  • نظرية التهجين الثقافي (Cultural Hybridization): وترى أن الثقافات المعاصرة، ولا سيما لدى الأجيال الشابة، لم تعد نتاج انتماء أحادي المصدر، بل نتاج تمازج مستمر بين الموروث المحلي والمدخلات الثقافية الوافدة عبر الشبكات الرقمية.
  • مفهوم المثاقفة الرقمية (Digital Acculturation): ويصف عملية اكتساب الفرد – وبخاصة الشباب – لأنماط قيمية وسلوكية جديدة عبر التعرّض المتواصل للمحتوى الرقمي العابر للحدود، بمعزل عن وسيط تربوي أو مؤسسي تقليدي.

وتخلص هذه الأدبيات إلى أن “العولمة الرقمية” لم تعد تعمل – كما كان يُفترض سابقاً – بمنطق “الهيمنة الثقافية الأحادية” القائم على فرض ثقافة الغرب على الشرق أو العكس، بل باتت تعمل بمنطق “التفاعلية الهجينة”؛ حيث تُنتَج هويات ثقافية مركّبة يصعب ردّها إلى مصدر واحد.

 

رابعاً: تقدير الموقف – الأسرة والسلام الرمزي في مواجهة التحوّل الرقمي

 

تُعرَّف الورقة “السلام الرمزي” الأسري إجرائياً بوصفه معادلة تقوم على ركنين: (١) السلام بمعناه القيمي، أي الطيبة والاحترام المتبادل المستمر والقدرة على الاحتواء، و(٢) الرمزية بمعناها الوظيفي، أي التوجيه والتأثير في الأبناء دون اللجوء إلى القسر أو فرض السلطة المباشرة.

وتشير قراءة الدراسات العربية الحديثة المنشورة على المنصات الأكاديمية خلال الفترة 2020-2023 إلى أن موجات التحوّل الرقمي أحدثت احتكاكاً معرفياً متصاعداً داخل الأسرة، أفرز تزاوجاً وتلاقحاً في القيم بين الآباء والأبناء، وأعاد تشكيل موازين هذا “السلام الرمزي” بحيث لم تعد تقوم – كما كانت – على السلطة التراتبية التلقائية، بل باتت تقوم بشكل متزايد على الحوار وصناعة معنى مشترك حول اللغة والهوية والانتماء الرمزي للأسرة.

غير أن هذا التحوّل يحمل في طياته توتراً لم يُحسَم بعد داخل الأدبيات ذاتها، ويمكن صياغته في سؤال مركزي: هل يُعاد تعريف السلام الرمزي بوصفه شكلاً أكثر تكيّفاً ونضجاً مع طفرة العولمة، أم أنه في طريقه إلى التآكل لصالح فراغ رمزي تملؤه مرجعيات رقمية خارج الأسرة؟ وتلاحظ الورقة في هذا السياق مؤشرين متعارضين يستحقان المتابعة: من جهة، بروز إرادة أحدث لدى بعض الأطراف الأسرية لفرض سيطرة رمزية جديدة كرد فعل دفاعي؛ ومن جهة أخرى، تنامي قناعة لدى شريحة من الأسر بأن الدور التقليدي في التوجيه أخذ يتراجع أو “يختفي” تدريجياً أمام كثافة التعرض الرقمي لدى الأبناء.

 

خامساً: السيناريوهات المحتملة

 

  • سيناريو التكيّف الهجين: استمرار الأسرة كوحدة فاعلة عبر إعادة تعريف أدواتها الرمزية بما يستوعب المثاقفة الرقمية، وتحويل الفجوة إلى حوار بنّاء بين الأجيال.
  • سيناريو الاستقطاب الرمزي: تصاعد المحاولات الدفاعية لفرض سيطرة أبوية تقليدية في مواجهة انفتاح الأبناء الرقمي، بما يوسّع الفجوة بدلاً من ردمها.
  • سيناريو الفراغ الرمزي: تآكل تدريجي لدور الأسرة التوجيهي لصالح مرجعيات رقمية عابرة للحدود (خوارزميات، مؤثرون، مجتمعات افتراضية)، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على تماسك الهوية

 

سادساً: التوصيات

 

  • تطوير أدوات قياس عربية محلية لمفهوم “السلام الرمزي” الأسري بدل الاكتفاء باستعارة أطر غربية جاهزة.
  • تعزيز برامج التوعية الأسرية التي تعيد صياغة أدوار التوجيه على أساس الحوار المشترك لا السلطة التراتبية وحدها.
  • سد الفجوة المنهجية في الاستشهاد بالدراسات العربية الحديثة (2020-2023) بدل الاعتماد شبه الحصري على المراجع الأجنبية عند تناول الظاهرة.
  • متابعة رصدية دورية لمؤشرات “جيل بيتا” الناشئ في ظل الذكاء الاصطناعي التوليدي، بوصفه اختباراً مستقبلياً أعمق لفرضيات هذه الورقة.

خاتمة

تخلص الورقة إلى أن العولمة الرقمية لم تُلغِ الأسرة كمرجعية رمزية، لكنها أعادت تفاوض شروط هذه المرجعية. فالسلام الرمزي الأسري، بوصفه توازناً دقيقاً بين الطيبة والتوجيه، لم يعد معطى تلقائياً موروثاً من موقع السلطة، بل أصبح إنجازاً متجدداً يُعاد بناؤه باستمرار في بيئة تتسارع فيها وتيرة التهجين الثقافي بين الأجيال.

شاهد أيضاً

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»... حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»… حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

 بقلم الكاتب والمحلل السياسي سعد محمد عبدالله – السودان      يمثل كتاب «مستقبل بلد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *