ما تراه الحكومة وما نراه في زيارة وفد الإتحاد الأفريقي للسودان
ما تراه الحكومة وما نراه في زيارة وفد الإتحاد الأفريقي للسودان

ما تراه الحكومة وما نراه في زيارة وفد الإتحاد الأفريقي للسودان

بقلم الكاتب والمحلل السياسي سعد محمد عبدالله – السودان 


 

تمثل زيارة وفد مجلس السلم والأمن التابع للإتحاد الأفريقي إلى السودان محطة سياسية مهمة، ليس فقط لأنها تأتي في ظل تطورات ميدانية وسياسية متسارعة، وإنما لأنها تتيح للإتحاد الأفريقي فرصة للإنتقال من متابعة الأزمة السودانية عبر التقارير والمواقف الدبلوماسية إلى الوقوف المباشر على واقع السودان وتعقيداته من العاصمة المثلثة، والحكومة السودانية تنظر إلى هذه الزيارة باعتبارها تأكيدًا على إحترام سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، وعلى إعتراف الإتحاد الأفريقي بالحكومة والمؤسسات الوطنية «المدنية والعسكرية»، خصوصًا مع عودة مؤسسات الدولة إلى ممارسة مهامها من قلب الخرطوم، وهذا في حد ذاته تطور مهم ينبغي البناء عليه سياسيًا ودبلوماسيًا، ولكن ما نراه يتجاوز حدود الرسائل البروتوكولية التي صدرت عقب لقاءات الوفد بالمسؤولين السودانيين؛ فالزيارة تمثل إختبارًا حقيقيًا لقدرة الإتحاد الأفريقي على التعامل مع الأزمة السودانية بموضوعية وإستقلالية، بعيدًا عن الضغوط الإقليمية والدولية، التي يحسب كل طرف فيها عدد الثمار التي قد يحصدها قبل دخول المزرعة نفسها، والكل يعمل وفق قاعدة «المكاسب مقابل العطايا»، وإذا كان الإتحاد يؤكد أن إحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية مبدآن ثابتان لا ينفصلان عن إستراتيجية الأمن والتعاون الإقليمي والعمل وفق شعار القارة «حلول أفريقية لمشكلات أفريقيا»، فإن المطلوب هو ترجمة هذه المبادئ إلى مواقف عملية تجاه كل أشكال التدخل الخارجي، ومساندة مسار سوداني يقوده السودانيون أنفسهم؛ كما أن الإستماع إلى الحكومة ينبغي أن يفتح نافذة يستمع من خلالها الوفد إلى مختلف القوى والمكونات الوطنية، حتى تكون رؤيته للواقع السوداني أكثر شمولًا وتوازنًا.

 

قدمت الحكومة السودانية للوفد الأفريقي روايتها الكاملة للأزمة من خلال لقاءات مباشرة، بدءًا من توصيف الحرب باعتبارها عدوانًا تشنه مليشيا الدعم السريع وداعموها من داخل القارة الأفريقية وخارجها، مرورًا بحجم الدمار الهائل والإنتهاكات التي لحقت بالبنية التحتية ومؤسسات الدولة، وصولًا إلى مبادرة السلام التي طرحتها الحكومة وأيدها طيف واسع من المكونات الوطنية الحية، والتي تقوم على إنسحاب المليشيا المتمردة من المناطق التي تسيطر عليها، ثم الدخول في ترتيبات التسريح والدمج، وصولًا إلى إنهاء الحرب كليًا، ومن الطبيعي أن تدافع الحكومة عن هذا التصور، وأن تضع أمام الإتحاد الأفريقي ما تعتبره ثوابت راسخة لا يمكن تجاوزها، وفي مقدمتها عدم المساواة بين القوات المسلحة والمليشيا، ورفض التدخلات الخارجية، والمطالبة بحق السودانيين في تحديد مستقبل بلادهم، لكن ما نراه هو أن نجاح أي مبادرة للسلام لن يتوقف على قوة الموقف الحكومي وحدها، وإنما على قدرتها على تحويل هذه الثوابت إلى مشروع سياسي سوداني قابل للحوار والتوافق الوطني؛ فالحرب، مهما كانت تداعياتها ومسؤولية الأطراف عنها، خلقت واقعًا إجتماعيًا وسياسيًا بالغ التعقيد، ولا يمكن إنهاؤها عبر الحلول العسكرية وحدها أو بالبيانات السياسية الإستعراضية، ومن هنا تبرز أهمية الحوار السوداني-السوداني الذي تحدث عنه رئيس الوزراء، بشرط أن يكون حوارًا حقيقيًا لا مجرد ترتيبات لإعادة إنتاج المشهد المأساوي القديم، وأن يفتح الباب أمام مشاركة سودانية واسعة في صياغة مشروع مستقبل الدولة، ويضع أساسًا واضحًا للمصالحة الوطنية والعدالة الإجتماعية وإعادة الإعمار وبناء المؤسسات الوطنية.

 

أما حديث وفد الإتحاد الأفريقي عن أن الطريق إلى السلام الدائم يمر عبر الحوار والمصالحة الوطنية والتسوية السياسية الشاملة، فهو موقف يستحق الإهتمام من الجميع، لكنه يحتاج إلى ترجمة عملية واضحة حتى لا يبقى في إطار العبارات الدبلوماسية العامة؛ فالسودان لا يحتاج إلى مبادرة جديدة تضاف إلى عشرات المبادرات السابقة، بقدر حاجته إلى آلية جادة تستطيع جمع السودانيين حول طاولة واحدة، وترميم جدار الثقة، وتحديد القضايا الأساسية التي يجب الإتفاق عليها، وضمان أن يكون القرار السوداني هو أساس العملية السياسية، وفي المقابل، ينبغي على القوى السياسية والمدنية السودانية أن تدرك تمامًا أن المرحلة المقبلة لا تحتمل العودة إلى حالة المماحكات والمؤامرات والإستقطاب القديم، أو أي محاولة لإختزال الدولة والمجتمع في تيار سياسي واحد، أو إستخدام سياسة الإنكفاء على المشاريع الضيقة والنظرة المقلوبة التي تنطلق من مفهوم الدعوة إلى تفكيك مؤسسات الدولة عند الخلاف مع الحكام؛ بينما الفرق شاسع بين النظام الحاكم والدولة، وعندما يقع الخلاف يكون الأصح أن يُحل عبر الحوار الوطني؛ كما أن الدعوة إلى الإنتقال الديمقراطي وإجراء إنتخابات حرة ونزيهة تظل هدفًا مشروعًا لا حياد عنه، لكنها تحتاج إلى مقدمات ضرورية تبدأ من إنهاء الحرب، وتحقيق الأمن، وتهيئة البيئة السياسية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وضمان الإستقرار الذي يمكن جميع المواطنين من المشاركة فيه من مختلف الأقاليم والولايات، ومن هنا، فإن دور الإتحاد الأفريقي ينبغي أن يكون مساعدًا لا وصيًا، ومسهلًا للحوار لا طرفًا في صناعة القرار السوداني، ويمكن للإتحاد أن يقدم ما في جعبته من خبرات متراكمة في عمليات المصالحات وبناء جسور السلام والحوكمة وإصلاح المؤسسات، وأن يساعد السودان على إستعادة عافيته الإقليمية، لكن عليه في الوقت ذاته أن يتجنب فرض وصفات جاهزة لا تراعي خصوصية التجربة السودانية وتعقيدات تاريخها السياسي والإجتماعي.

 

في تقديرنا، فإن الأهمية الحقيقية لهذه الزيارة ستظهر بعد مغادرة الوفد للخرطوم، وليس في التصريحات التي صاحبت لقاءاته بالمسؤولين؛ فالسودان يحتاج من الإتحاد الأفريقي إلى موقف أكثر وضوحًا وفاعلية تجاه معادلة الحرب، وإلى دعم واضح لوحدة البلاد ومؤسساتها، ومواجهة أي محاولات لإنشاء كيانات موازية أو تقسيم القرار الوطني، إلى جانب موقف صريح تجاه التدخلات الخارجية التي تسهم في إستمرار النزاع، وفي الوقت نفسه، فإن على الحكومة السودانية أن تتعامل مع زيارة الوفد باعتبارها فرصة لإيصال صوت السودان إلى القارة، لا باعتبارها مجرد شهادة سياسية على صحة روايتها؛ فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى خطاب وطني قادر على الجمع بين الدفاع عن سيادة الدولة والإنفتاح على الحوار، وبين الحفاظ على مؤسساتها والإعتراف بالحاجة إلى إصلاحات سياسية عميقة؛ كما أن الإتحاد الأفريقي مطالب الآن بأن يثبت أن تضامنه مع السودان ليس تضامنًا لفظيًا، وإنما إلتزام أخلاقي وعملي بمساعدة السودانيين على إنهاء الحرب وبناء السلام وإستعادة مسارات التنمية، بغية تقديم الوجه المشرق للأرياف والمدن السودانية الغنية بمواردها الطبيعية وإنسانها المنتج، وإذا نجحت هذه الزيارة في فتح قناة جديدة للحوار الموضوعي بين السودان والإتحاد الأفريقي، وإعادة السودان إلى موقعه الطبيعي داخل مؤسسات الإتحاد، ودعم عملية سياسية سودانية شاملة تنتهي إلى عقد مؤتمر قومي دستوري وإجراء إنتخابات حرة ونزيهة، فإنها ستكون خطوة ذات قيمة تاريخية عظيمة؛ أما إذا بقيت مجرد زيارة لتبادل المواقف والإستماع إلى الروايات، فإن أثرها سيظل محدودًا؛ لذلك، فإن ما ننتظره ليس فقط ما سيقوله الإتحاد عن السودان، بل ما سيفعله من أجل بناء سودان جديد آمن وموحد ومزدهر.

شاهد أيضاً

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»... حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»… حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

 بقلم الكاتب والمحلل السياسي سعد محمد عبدالله – السودان      يمثل كتاب «مستقبل بلد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *