المرأة اليمنية وصناعة التغيير …حين تتحول الصعوبات إلى قوة
المرأة اليمنية وصناعة التغيير …حين تتحول الصعوبات إلى قوة

المرأة اليمنية وصناعة التغيير …حين تتحول الصعوبات إلى قوة

 بقلم الكاتبة نورهان الغرباني – اليمن 

 


 

 

في بلد أنهكته سنوات الحرب والأزمات الاقتصادية والإنسانية، لم تكن المرأة اليمنية مجرد متلقية لتداعيات الصراع، بل تحولت، في كثير من الأحيان، إلى واحدة من القوى التي تحاول إبقاء المجتمع واقفاً.

من المنزل إلى المدرسة، ومن المبادرات المجتمعية إلى المنظمات المدنية، ومن الوساطة المحلية إلى العمل الإنساني والاقتصادي، تواصل المرأة اليمنية صناعة مساحات للتغيير، رغم واقع لا يزال يضع أمامها حواجز كبيرة في الحركة والعمل والمشاركة في صنع القرار.

ولا يمكن فهم التحولات التي شهدها المجتمع اليمني خلال السنوات الماضية دون التوقف عند الدور الذي لعبته النساء في إدارة الأسر، وإعالة الأطفال، والاستجابة للأزمات، والمشاركة في جهود السلام، وتقديم الخدمات المجتمعية.

 

امرأة تدير الحياة وسط الأزمة

 

تكشف الأرقام حجم العبء الذي تتحمله النساء في اليمن. فبحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان، يحتاج نحو 19.5 مليون شخص في اليمن إلى نوع من المساعدات الإنسانية والحماية خلال عام 2025، فيما يبلغ عدد النازحين داخلياً نحو 4.8 مليون شخص، تشكل النساء والفتيات قرابة 80% منهم. كما ارتفعت نسبة الأسر النازحة التي ترأسها نساء إلى نحو 25%، مقارنة بـ9% قبل تصاعد الصراع عام 2015.

هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم معاناة النساء، بل تكشف أيضاً عن تغير أدوارهن داخل الأسرة والمجتمع.

فحين تصبح المرأة مسؤولة عن أسرة نزحت من منزلها أو فقدت مصدر دخلها، فإنها لا تواجه الأزمة بوصفها أزمة شخصية فقط، وإنما تتحول إلى طرف رئيسي في إدارة اقتصاد الأسرة وتأمين الغذاء والرعاية والتعليم.

وفي الوقت نفسه، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن 6.2 مليون امرأة وفتاة في اليمن معرضات لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، بينما تفتقر أكثر من 90% من المناطق الريفية إلى الخدمات اللازمة للوقاية من هذا العنف والاستجابة له.

 

من ضحية للحرب إلى فاعلة في السلام

 

رغم أن النساء والفتيات يتحملن جزءاً كبيراً من آثار الحرب، فإن حضورهن في عمليات صنع السلام لا يزال أقل بكثير من حجم تأثيرهن على الأرض.

وتؤكد الأمم المتحدة أن النساء اليمنيات يشاركن في جهود بناء السلام والوساطة على المستويات المحلية والمجتمعية، فيما دعمت برامج أممية خلال السنوات الأخيرة تدريب وتمكين قيادات نسائية وشبابية للمشاركة في عمليات السلام والحوار.

وفي عام 2024، استفاد 200 من النساء والشباب العاملين في مجال السلام، كانت النساء بينهم 70%، من برامج لبناء القدرات في مجالات السلام والتفاوض وآليات بناء السلام، وفق بيانات UN Women.

كما شاركت وسيطات يمنيات محليات في مفاوضات مدعومة من الأمم المتحدة مرتبطة بالهدنة، في خطوة تعكس أهمية فتح مسارات محلية لمشاركة النساء في عمليات السلام.

ولا تقتصر هذه المشاركة على طاولات المفاوضات. ففي المجتمعات المحلية، يمكن للمرأة أن تكون وسيطة في نزاع، أو حلقة وصل بين الأسر والجهات الإنسانية، أو صوتاً للمجتمع في قضايا المياه والتعليم والصحة، وهي أدوار قد تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تؤثر مباشرة في حياة الناس.

 

عندما تصبح المبادرة وسيلة للتغيير

 

خلال سنوات الحرب، ظهرت في اليمن مبادرات تقودها نساء في مجالات متعددة، من التعليم والدعم النفسي إلى الإغاثة وريادة الأعمال وحماية النساء والفتيات.

وتكتسب المنظمات والمبادرات التي تقودها النساء أهمية خاصة لأنها غالباً ما تكون الأقرب إلى احتياجات المجتمعات المحلية. وتوضح UN Women أن دعم المنظمات النسائية المحلية أصبح جزءاً أساسياً من جهود تعزيز الحوكمة والاستجابة الإنسانية في اليمن، مشيرة إلى أنه خلال عام 2025 جرى تعزيز قدرات أكثر من 40 منظمة نسائية محلية في مجالات الإدارة والحوكمة والإدارة المالية وتنفيذ المشاريع وتقديم الخدمات المجتمعية.

وفي هذا السياق، لم تعد المرأة اليمنية تُرى فقط باعتبارها مستفيدة من برامج التنمية، بل بوصفها شريكة في تصميم الحلول وتنفيذها.

 

التعليم… بداية التغيير الأطول عمراً

 

إذا كان التغيير السياسي يحتاج سنوات، فإن التغيير الذي يبدأ من التعليم يمكن أن يمتد عبر أجيال.

لكن الفتيات اليمنيات يواجهن واقعاً تعليمياً صعباً؛ إذ تشير بيانات UNICEF إلى أن أكثر من 3.7 مليون طفل في اليمن كانوا خارج فرص التعليم وفق بيانات عام 2025، فيما تتأثر الفتيات بصورة خاصة بالعوائق المرتبطة بالفقر، والنزوح، وظروف المدارس، ونقص الخدمات الأساسية.

وفي المقابل، تظهر المرأة نفسها كجزء من الحل. ففي عام 2025، شاركت 11,705 معلمة في برامج حوافز تعليمية ساعدت على استمرار العملية التعليمية، كما استفادت 15,963 فتاة و8,192 فتى من برامج المهارات الحياتية التي نفذتها UNICEF للمراهقين.

وهنا يتجاوز دور المرأة كونها “مستفيدة” من التعليم؛ فهي معلمة، ومديرة، وأم، وناشطة، وصاحبة مبادرة تستطيع أن تؤثر في قرار فتاة أخرى بالبقاء في المدرسة بدلاً من الانقطاع عنها.

 

اقتصادياً… حضور محدود وإمكانات أكبر

 

على الرغم من الدور المتزايد للنساء في الاقتصاد غير الرسمي والمشروعات الصغيرة والعمل المنزلي والزراعة وبعض المهن الخدمية، لا تزال مشاركتهن الرسمية في سوق العمل محدودة.

وتظهر بيانات UN Women أن النساء يمثلن نحو 7.79% من إجمالي قوة العمل في اليمن، فيما تبلغ نسبة النساء في المناصب الإدارية نحو 4.12%، وتنخفض إلى نحو 4.50% في المناصب الإدارية العليا والمتوسطة وفق البيانات المتاحة على منصة UN Women.

هذه الأرقام تكشف فجوة كبيرة بين قدرة المرأة على الإنتاج والمساهمة الاقتصادية وبين حضورها الرسمي في سوق العمل ومراكز الإدارة.

لكن التجارب المحلية تشير إلى أن الاستثمار في النساء يمكن أن يخلق أثراً يتجاوز المرأة نفسها؛ فدخل المرأة غالباً ما ينعكس على تعليم الأطفال وصحتهم وغذائهم واستقرار الأسرة.

ولهذا فإن تمكين المرأة اقتصادياً ليس قضية مرتبطة بالمرأة وحدها، بل جزء من أي استراتيجية جادة للتعافي الاقتصادي وإعادة بناء المجتمع.

 

المفارقة السياسية

 

رغم اتساع أدوار النساء في المجتمع، تبقى مشاركتهن الرسمية في مؤسسات صنع القرار محدودة للغاية.

وتشير بيانات UN Women إلى أن نسبة النساء في البرلمان الوطني اليمني تبلغ 0% في البيانات الحالية، وهو انعكاس لغياب التمثيل النسائي البرلماني في ظل توقف الانتخابات البرلمانية منذ سنوات.

وهنا تظهر واحدة من أكبر مفارقات المشهد اليمني: المرأة موجودة بقوة في المجتمع، لكنها أقل حضوراُ في المؤسسات التي تصنع القرارات المتعلقة بهذا المجتمع.

فهي تتحمل آثار القرارات السياسية والاقتصادية والأمنية، لكنها لا تحصل بالضرورة على مقعد متناسب مع حجم هذا التأثير عندما تُتخذ القرارات.

 

التغيير لا يحتاج دائماً إلى منصب

 

ربما تكون الصورة التقليدية للمرأة التي تصنع التغيير مرتبطة بالسياسية أو الوزيرة أو الناشطة المعروفة. لكن التجربة اليمنية تقدم تعريفاً أوسع.

قد تكون المرأة التي تفتح مشروعاً صغيراً في منزلها، أو المعلمة التي تتمسك بتعليم الأطفال في منطقة ريفية، أو الصحفية التي توثق معاناة مجتمعها، أو المتطوعة التي تصل بالمساعدة إلى أسرة نازحة، أو الوسيطة التي تمنع نزاعاً محلياً، جزءاً من صناعة التغيير بالقدر نفسه.

فالتغيير الاجتماعي لا يبدأ دائماً من المؤسسات الكبرى؛ أحياناً يبدأ من قرار فردي صغير يتكرر آلاف المرات.

 

نحو مشاركة لا تكتفي بالصمود

 

تؤكد تجربة المرأة اليمنية خلال سنوات الأزمة أن النساء لسن مجرد فئة تحتاج إلى الحماية، رغم أهمية الحماية، وإنما هن أيضاً صاحبات معرفة وحلول وقيادة.

وتشير نتائج UN Women لعام 2025 إلى أن النساء اليمنيات أصبحن أكثر حضوراً وتأثيراً في مساحات العمل الإنساني والحوكمة وبناء السلام، رغم القيود المفروضة على الحركة وتقلص المساحات المدنية والمخاطر التي تواجه المدافعات عن حقوق النساء.

لكن الانتقال من “القدرة على الصمود” إلى “صناعة القرار” يحتاج إلى أكثر من المبادرات الفردية. إنه يتطلب تعليماً آمناً للفتيات، وفرصاً اقتصادية حقيقية، وحماية من العنف، وبيئة تسمح للنساء بالعمل والمشاركة، وتمثيلاً سياسياً ومجتمعياً أكثر عدالة.

 

المرأة اليمنية… نصف المجتمع وصوت المستقبل

 

لا يمكن الحديث عن إعادة بناء اليمن دون الحديث عن المرأة.

فالدولة التي تريد بناء اقتصاد جديد تحتاج إلى نسائها، والمجتمع الذي يريد تجاوز آثار الحرب يحتاج إلى أصواتهن، والسلام الذي يريد أن يكون مستداماً يحتاج إلى مشاركتهن، والأجيال القادمة تحتاج إلى تعليم الأمهات والمعلمات والقيادات اللواتي سيصنعن وعيها.

لقد أثبتت المرأة اليمنية أنها قادرة على إدارة الأزمات، وتحمل المسؤولية، والعمل، والتعليم، والمبادرة، والوساطة، والقيادة، حتى في واحدة من أصعب البيئات الإنسانية في العالم.

ويبقى التحدي الحقيقي ألا يُنظر إلى هذه القدرة باعتبارها مجرد “صمود نسائي” أمام الأزمات، بل باعتبارها رأس مال اجتماعياً وبشرياً يجب الاستثمار فيه.

فالمرأة اليمنية لا تحتاج فقط إلى أن تُمنح مساحة لتنجو من الأزمة؛ بل تحتاج إلى مساحة لتشارك في صناعة ما يأتي بعدها.

وهنا تحديداً يبدأ التغيير الحقيقي:

عندما تنتقل المرأة من موقع المتأثرة بالقرار إلى موقع المشاركة في صناعته.

 

اقرا ايضا

كيف غيّرت الحرب حياة اليمنيين؟

شاهد أيضاً

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»... حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»… حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

 بقلم الكاتب والمحلل السياسي سعد محمد عبدالله – السودان      يمثل كتاب «مستقبل بلد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *