شهد الفضاء الرقمي امس، انعقاد الفعالية الفكرية والعلمية المتميزة المتمثلة في الندوة الافتراضية المعنونة بـ “التحولات الهوياتية في عصر العولمة: التصدي للتفكك الهوياتي بين الشباب” من تنظيم “مركز الرؤية للدراسات السياسية والاستراتيجية” في مصر و”المنظمة الدولية للعلوم والتنمية” بليبيا،
وتأتي هذه الورقة العلمية من تقديم واعداد الدكتورة د. شيماء مجيد بهيه بابل – العراق

مدخل المحاضرة
عندما نتحدث عن التفكك الهوياتي فنحن لا نتحدث عن شابٍ فقد انتماءه بصورة كاملة، ولا عن رفضٍ للثقافة أو الأسرة أو المجتمع، وإنما نتحدث عن حالة أكثر تعقيدًا:
أن يعرف الإنسان نفسه بأكثر من صورة، وأن يعيش أحيانًا وفق قيم متناقضة، وأن يجد صعوبة في بناء إجابة مستقرة عن السؤال: من أنا؟ وإلى أي عالم أنتمي؟
وهنا تكمن أهمية الموضوع؛ لأن الهوية ليست بطاقة تعريف، وليست اسمًا أو جنسية أو انتماءً اجتماعيًا فحسب، بل هي البنية النفسية والاجتماعية التي تمنح الإنسان الإحساس بالاستمرارية والمعنى والانتماء والاتساق الداخلي.
والشباب تحديدًا يقفون في منطقة شديدة الحساسية؛ فهم ينتقلون من هوية تشكلت إلى حد كبير داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع، إلى هوية يريدون أن يشاركوا بأنفسهم في بنائها.
وفي عصر العولمة، لم يعد الشاب يتلقى نماذج الهوية من بيئته المحلية فقط؛ بل أصبح يعيش يوميًا أمام آلاف النماذج القادمة من العالم عبر الهاتف والمنصات الرقمية.
ومن هنا تبدأ المشكلة:
هل نحن أمام انفتاح صحي على العالم؟ أم أمام تفكك في المرجعيات التي يصنع منها الشباب ذواتهم؟
والإجابة العلمية ليست: نعم أو لا.
بل إن المسألة تتوقف على كيفية استخدام الشاب لهذه المصادر، ومدى امتلاكه لهوية مرنة ومتماسكة قادرة على الاختيار والدمج دون أن تفقد جذورها.
المحور الأول: ماذا نعني بالتفكك الهوياتي؟
قبل أن نرصد المظاهر، علينا أن نحدد المفهوم
· الهوية هي منظومة متداخلة تتكون من:
· صورة الفرد عن ذاته.
· منظومة قيمه ومعتقداته.
· انتماءاته الاجتماعية والثقافية.
· أدواره الاجتماعية.
· تصوراته عن مستقبله.
· علاقته بجماعته ومجتمعه.
· إحساسه بالاستمرارية عبر الزمن.
وبالتالي، فإن الهوية السوية لا تعني الجمود.
بل إن الإنسان يستطيع أن يتغير ويتطور دون أن يفقد الإحساس بأنه هو نفسه.
أما التفكك الهوياتي فيمكن أن نعرفه إجرائيًا بأنه:
حالة من ضعف الاتساق والاستمرارية بين مكونات الهوية، تظهر عندما يعجز الفرد عن تحقيق قدر كافٍ من التكامل بين قيمه، وانتماءاته، وصورته عن ذاته، وأدواره الاجتماعية، مما ينعكس على اختياراته وسلوكه وعلاقاته وتوازنه النفسي.
وهنا يجب التفريق بين ثلاثة مفاهيم:
1. تغير الهوية
وهو طبيعي. الشاب يغير أفكاره، تخصصه، أصدقاءه، أهدافه، وربما نظرته إلى الحياة.
2. أزمة الهوية
وهي مرحلة من التساؤل والبحث وإعادة التقييم.
وقد تكون مرحلة صحية إذا انتهت إلى مزيد من الوضوح.
3. التفكك الهوياتي
وهو عندما يصبح التناقض مستمرًا، ويضعف الإحساس بالاتساق الداخلي، ويصبح الفرد غير قادر على تحديد ما الذي يؤمن به فعلًا، أو ما الذي يريده، أو أي صورة من صور ذاته تمثله.
إذن:
ليس كل بحث عن الهوية تفككًا، وليس كل اختلاف في السلوك اضطرابًا، ولكن استمرار التناقض دون قدرة على الدمج قد يتحول إلى مشكلة نفسية واجتماعية.
المحور الثاني: لماذا أصبح الشباب أكثر عرضة للتحولات الهوياتية؟
هناك مجموعة من التحولات الكبرى التي أعادت تشكيل البيئة التي ينمو فيها الشاب.
أولاً: العولمة
العولمة لم تنقل السلع فقط، بل نقلت:
· الأفكار.
· القيم.
· أنماط الحياة.
· الموضة.
· اللغة.
· المعايير الجمالية.
· نماذج النجاح.
· العلاقات.
· أنماط الاستهلاك.
فأصبح الشاب يعيش في بيئة ثقافية متعددة المراجع.
ثانيًا: الثورة الرقمية
في الماضي كان الشاب يتعامل مع عدد محدود من الأشخاص يعرفهم.
اليوم يمكن أن يستيقظ صباحًا ويتفاعل مع:
· صديق محلي.
· مؤثر عربي.
· لاعب عالمي.
· شخصية سياسية.
· صانع محتوى.
· جماعة رقمية.
· مجتمع افتراضي.
وهذا يعني أن الجغرافيا لم تعد تحدد وحدها البيئة الاجتماعية للفرد.
المحور الثالث: من الهوية الواقعية إلى الهوية الرقمية
وهذه من أخطر النقاط في الموضوع.
أصبح لدى كثير من الشباب نوع من الهوية الرقمية التي يعرضونها أمام الآخرين.
وقد تكون هذه الهوية:
مختلفة عن الهوية الواقعية.
· أكثر جرأة منها.
· أكثر مثالية.
· أكثر نجاحًا.
· أكثر جمالًا.
أو حتى مختلفة في القيم والسلوك.
وهنا يظهر سؤال مهم:
ماذا يحدث عندما تصبح الصورة التي يعرضها الإنسان عن نفسه على الإنترنت أقوى من الصورة التي يعيشها في الواقع؟
قد يبدأ الفرد بمقارنة حياته الحقيقية بحياة الآخرين المعروضة بصورة منتقاة.
وهنا تظهر:
المقارنة الاجتماعية الرقمية → عدم الرضا عن الذات → انخفاض تقدير الذات → البحث عن القبول → تعديل السلوك والصورة → مزيد من الاعتماد على التقييم الخارجي.
والدراسات الحديثة تشير إلى أن العلاقة بين وسائل التواصل وتطور الهوية ليست مجرد مسألة “عدد ساعات الاستخدام”؛ بل تتعلق أيضًا بنوعية الاستخدام وطريقة التفاعل والمقارنة والاستكشاف والالتزام بالهوية. وقد وجدت مراجعة منهجية حديثة شملت 32 دراسة و19,658 مراهقًا أن الاستخدام النشط لوسائل التواصل ارتبط باستكشاف الهوية، بينما تتباين الآثار بحسب طبيعة الاستخدام وأبعاده.
إذن: المشكلة ليست في الهاتف وحده، وإنما في العلاقة النفسية التي يبنيها الإنسان مع العالم الرقمي.
المحور الرابع: مظاهر التفكك الهوياتي في السلوك اليومي
هنا نصل إلى الجزء الأهم في المحاضرة.
التفكك الهوياتي لا يظهر دائمًا بصورة مباشرة.
قد لا يقول الشاب:
“أنا أعاني من مشكلة في هويتي.”
لكن يمكننا ملاحظته من خلال السلوك.
1. التناقض بين القيم والسلوك
قد يعلن الفرد قيمة معينة، لكنه يتصرف بصورة تناقضها باستمرار.
مثلاً:
· يتحدث عن الصدق لكنه يمارس الخداع.
· يتحدث عن الاستقلالية لكنه يبحث باستمرار عن موافقة الآخرين.
· يتحدث عن احترام الذات لكنه يقبل الإهانة من أجل الحفاظ على علاقة.
المشكلة هنا ليست مجرد تناقض أخلاقي؛ وإنما قد تكون علامة على ضعف التكامل بين القناعة والسلوك.
2. البحث المستمر عن قبول الآخرين
يصبح السؤال الداخلي:
ماذا سيقول الناس عني؟
بدل: ماذا أريد أنا؟ وما الذي يتفق مع قيمي؟
وهنا يتحول تقدير الذات من قيمة داخلية إلى مؤشر اجتماعي خارجي.
· عدد الإعجابات يصبح دليلًا على القيمة.
· عدد المتابعين يصبح دليلًا على النجاح.
· تعليق الآخرين يصبح دليلًا على الجمال.
وهذا يؤدي إلى ما يمكن تسميته:
· الذات المعلقة على التقييم الخارجي.
3. تقليد الأنماط دون بناء موقف شخصي
ليس المقصود هنا التقليد الطبيعي. فالتعلم من الآخرين أمر طبيعي.
لكن المشكلة عندما يصبح الفرد: يتبنى الفكرة لأنها شائعة، لا لأنه ناقشها واقتنع بها.
ويغير رأيه مع كل موجة جديدة. وهذا يؤدي إلى شخصية شديدة التأثر بالاتجاهات الاجتماعية.
4. التذبذب بين شخصيات متعددة
قد يكون الشاب:
· شخصية في المنزل.
· شخصية في الجامعة.
· شخصية مع الأصدقاء.
· شخصية على مواقع التواصل.
· شخصية مختلفة تمامًا في العلاقات العاطفية.
والمرونة الاجتماعية بحد ذاتها ليست مرضًا.
لكن عندما تصبح الفجوة بين هذه الشخصيات كبيرة إلى درجة أن الفرد لا يعرف أيها تمثله فعلًا، تظهر مشكلة الاتساق الذاتي.
5. الازدواجية بين الانتماء والرفض
نجد أحيانًا شابًا:
· يرفض ثقافته، لكنه يبحث عن الاعتراف بها.
· ينتقد مجتمعه، لكنه يريد احترام المجتمع.
· يرفض الأسرة، لكنه يحتاج بشدة إلى قبولها.
· يرفض الماضي، لكنه لا يمتلك تصورًا واضحًا للمستقبل.
وهذه الحالة قد تنتج:
· اغترابًا عن الماضي دون اندماج حقيقي في المستقبل.
6. ضعف الإحساس بالانتماء
من أخطر مظاهر التفكك الهوياتي:
· لا أشعر أنني أنتمي إلى أي مكان.”
· لا يشعر الفرد بانتماء قوي إلى الأسرة.
· ولا المجتمع.
· ولا الجماعة.
· ولا الجامعة.
· ولا العمل.
· ولا حتى إلى ذاته أحيانًا.
وهذا لا يعني بالضرورة أن الشخص منعزل اجتماعيًا، فقد يكون محاطًا بمئات الأشخاص لكنه يشعر داخليًا بالوحدة.
7. الاستهلاك كوسيلة لبناء الهوية
في بعض البيئات يتحول السؤال: من أنا؟
إلى: ماذا أملك؟ ماذا أرتدي؟ ماذا أستخدم؟ أين أذهب؟
فتصبح الهوية مرتبطة بالعلامات التجارية والمظاهر ومستوى الاستهلاك.
وهنا تتحول:
الذات → إلى واجهة استهلاكية.
8. اللغة كمرآة للهوية
اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل.
هي أيضًا وعاء للذاكرة والثقافة والانتماء.
وقد يظهر التفكك الهوياتي أحيانًا في الاستخدام المفرط أو المتعمد للغة مختلفة بهدف بناء صورة اجتماعية معينة، أو الشعور بالخجل من اللغة المحلية أو اللهجة.
لكن يجب أن نكون دقيقين:
استخدام لغة أجنبية ليس تفككًا هوياتيًا.
المشكلة تبدأ عندما يصبح استخدام اللغة جزءًا من رفض الذات أو احتقار الانتماء الأصلي.
المحور الخامس: التفكك الهوياتي والصحة النفسية
وهنا نصل إلى العلاقة الأكثر حساسية.
الهوية المتماسكة تمنح الفرد:
· الاستقرار.
· المعنى.
· القدرة على اتخاذ القرار.
· الإحساس بالاستمرارية.
· مقاومة ضغط الجماعة.
· القدرة على التعامل مع الفشل.
· تصورًا واضحًا للمستقبل.
أما عندما تضعف الهوية، فقد تظهر مجموعة من المؤشرات النفسية.
أولاً: القلق
الشخص الذي لا يعرف ماذا يريد، ولا يعرف ما الذي يمثله، يواجه صعوبة أكبر في اتخاذ القرارات.
ويصبح المستقبل مصدرًا مستمرًا للقلق.
· من أكون؟
· ماذا أريد؟
· كيف يراني الآخرون؟
· هل أنا ناجح؟
· هل أنا مقبول؟
هذه الأسئلة عندما تتحول إلى حالة مستمرة قد تصبح مصدر ضغط نفسي.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن مرحلة المراهقة مرحلة حاسمة لتطور المهارات الاجتماعية والانفعالية وإدارة العواطف، وأن استكشاف الهوية وضغط الأقران والشدائد يمكن أن تكون من مصادر الضغط النفسي في هذه المرحلة.
ثانيًا: الاكتئاب والانخفاض في تقدير الذات
عندما يشعر الفرد أنه:
لا يشبه الصورة التي يريدها عن نفسه
أو: لا يستطيع الوصول إلى الصورة التي يفرضها المجتمع عليه
فقد يبدأ بتكوين صورة سلبية عن ذاته.
ومع استمرار المقارنة والفشل المدرك والعزلة يمكن أن تتراجع:
· الثقة بالنفس.
· الدافعية.
· الشعور بالقيمة.
· الرضا عن الحياة.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الاكتئاب والقلق من أبرز أسباب المرض والعجز بين المراهقين، وأن الانسحاب الاجتماعي يمكن أن يزيد العزلة والوحدة.
ثالثًا: الوحدة النفسية
وهنا نميز بين:
· العزلة الاجتماعية
· قلة العلاقات.
· والوحدة النفسية
الشعور بعدم وجود علاقة ذات معنى.
قد يكون الشاب لديه:
· 5000 متابع،
· 500 صديق رقمي،
· عشرات المحادثات،
ومع ذلك يقول: لا يوجد شخص يفهمني.”
هذه هي المفارقة الكبرى في العصر الرقمي: اتساع شبكة الاتصال لا يعني بالضرورة عمق الانتماء.
رابعًا: اضطراب صورة الذات
عندما يتعرض الشاب يوميًا لصور مثالية ومعدلة وممنتجة، قد يبدأ بمقارنة:
· وجهه الطبيعي بوجه معدل.
· حياته اليومية بحياة الآخرين المنتقاة.
· دخله الحقيقي بمظاهر الثراء المنشورة.
· علاقاته الواقعية بالعلاقات المثالية المعروضة على الشاشة.
ومن هنا تظهر فجوة:
الذات الواقعية مقابل الذات المثالية.
كلما اتسعت الفجوة، زاد احتمال الشعور بعدم الكفاية.
خامسًا: السلوكيات التعويضية
عندما يشعر الإنسان بضعف داخلي قد يبحث عن التعويض خارجيًا.
مثل:
· المبالغة في المظهر.
· الاستعراض.
· السلوك العدواني.
· البحث عن الشهرة.
· العلاقات المتعددة.
· الإفراط في استخدام المنصات.
· الاستهلاك.
· المخاطرة.
وهنا يجب أن نفهم السلوك لا بوصفه المشكلة فقط، بل بوصفه أحيانًا:
محاولة غير ناضجة لمعالجة ألم داخلي.
المحور السادس: وسائل التواصل الاجتماعي — الخطر والفرصة
من الخطأ أن نقدم خطابًا يقول: وسائل التواصل الاجتماعي هي سبب انهيار الشباب.”
هذا تبسيط علمي غير دقيق.
كما أنه من الخطأ القول: وسائل التواصل لا تأثير لها.”
الصحيح أن العلاقة معقدة ومتبادلة.
قد يستخدم الشاب المنصة لأنه يشعر بالوحدة، ثم تزيد المنصة المقارنة والوحدة لديه.
وقد يستخدمها للتعلم والتواصل والدعم، فتكون عاملًا إيجابيًا.
وتشير مراجعات وأبحاث حديثة إلى وجود ارتباطات بين الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل وبعض الأعراض النفسية، مع اختلاف النتائج بحسب نوع الاستخدام والسياق والدعم الاجتماعي.
كما أن اليونيسف تشير إلى أن وسائل التواصل يمكن أن تكون قناة فعالة للوصول إلى الشباب وتقديم محتوى قائم على الأدلة وتعزيز الحوار وتقليل وصمة الصحة النفسية، لكنها تشدد في الوقت نفسه على أهمية العادات الرقمية الصحية والتفاعلات الإيجابية.
إذن المطلوب ليس:
حربًا على التكنولوجيا. بل: بناء مناعة نفسية ورقابة ذاتية وثقافة رقمية لدى الشباب.
المحور السابع: الأسرة ودورها في حماية الهوية
الأسرة هي أول مؤسسة تبني الهوية.
لكن الأسرة قد تكون: عامل حماية
إذا وفرت:
· الحوار.
· الأمان.
· الاحترام.
· الحدود الواضحة.
· الاعتراف بالفردية.
· الإصغاء.
· المشاركة.
وقد تصبح:
· عامل ضغط
عندما تعتمد على:
· المقارنة.
· السخرية.
· الإلغاء.
· السيطرة المفرطة.
· فرض الهوية دون حوار.
· رفض الأسئلة.
· تخويف الشاب من الاختلاف.
وهنا علينا أن ننتبه إلى نقطة مهمة:
الشاب لا يحتاج إلى أسرة توافقه في كل شيء؛ بل يحتاج إلى أسرة تسمح له أن يختلف دون أن يفقد الانتماء.
وهذه من أهم قواعد بناء الهوية المتماسكة.
المحور الثامن: الفجوة بين الأجيال
· قد تقول الأسرة: نحن تربينا بهذه الطريقة.”
· وقد يقول الشباب: العالم تغير.”
وكلا الطرفين لديه جزء من الحقيقة.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى صراع.
جيل يرى أن الحفاظ على الهوية يعني:
· عدم التغيير.
· وجيل آخر يرى أن الحداثة تعني:
· رفض كل ما سبق.
والحل ليس في أحد الطرفين الحل في:
إعادة تعريف الهوية باعتبارها قدرة على الاستمرار والتطور في آن واحد.
فالهوية الصحية لا تعني: أن أبقى كما كنت بل تعني: ان أتغير دون أن أفقد المعنى الذي يجعلني أعرف نفسي.
المحور التاسع: الشباب العراقي وسؤال الهوية
في السياق العراقي، تصبح القضية أكثر تعقيدًا؛ لأن الشباب يعيشون ضمن تداخل كبير بين:
· الهوية الوطنية.
· الهوية الدينية.
· الهوية الاجتماعية.
· الهوية العائلية.
· الهوية المحلية.
· الهوية المهنية.
· الهوية الرقمية.
· والانفتاح العالمي.
كما أن آثار العقود الماضية من النزاعات والعنف والنزوح والضغوط الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن تجاهلها عند فهم الصحة النفسية للشباب.
وتشير اليونيسف إلى أن المراهقين في العراق يواجهون عوائق أمام الانتقال إلى الاستقلال وتحمل أدوار البالغين، من بينها محدودية فرص العمل وسبل العيش وبعض المعايير الاجتماعية.
كما أن العراق بدأ في 2026 خطوة مؤسسية مهمة بإطلاق دليل وطني للتدريب في مجال الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والمراهقين، خاصة المتأثرين بالنزاعات والنزوح والفقر.
وهذا يقودنا إلى فكرة مهمة:
التعامل مع الهوية ليس قضية ثقافية فقط؛ بل هو جزء من بناء الاستقرار النفسي والاجتماعي والوطني.
المحور العاشر: متى يكون الاختلاف صحيًا ومتى يتحول إلى تفكك؟
هذه نقطة مهمة جدًا في المحاضرة.
ليس المطلوب أن نصنع شبابًا متشابهين.
بل المطلوب أن نصنع شبابًا قادرين على:
· التفكير.
· الاختيار.
· النقد.
· الحوار.
· الاختلاف.
· التغيير.
· الحفاظ على الانتماء.
الهوية الصحية تقول:
أنا أعرف من أين أتيت، وأعرف أين أريد أن أذهب، وأستطيع أن أتعلم من العالم دون أن أفقد نفسي.
أما الهوية الهشة فتقول: أنا أحتاج أن أصبح شخصًا آخر حتى أشعر أنني مقبول.
المحور الحادي عشر: نموذج عملي لرصد التفكك الهوياتي
يمكن بناء نموذج تشخيصي أولي من خمسة أبعاد:
· البعد السؤال
· الوضوح الذاتي هل يعرف الشاب من هو وماذا يريد؟
· الاتساق القيمي هل تتوافق سلوكياته مع قيمه؟
· الانتماء هل يشعر أنه ينتمي إلى أسرته ومجتمعه؟
· الاستقلالية هل يختار أم يتبع ضغط الآخرين؟
· التكامل الرقمي هل هويته الرقمية متوافقة نسبيًا مع هويته الواقعية؟
ويمكن إضافة بعد سادس:
المرونة الهوياتية
أي قدرة الإنسان على التغير دون أن يفقد جوهره.
المحور الثاني عشر: علامات الإنذار التي ينبغي الانتباه إليها
ليست كل علامة منفردة دليلًا على تفكك هوياتي.
لكن اجتماع عدة مؤشرات بصورة مستمرة يستحق الانتباه، ومنها:
· فقدان واضح للإحساس بالانتماء.
· تقلب شديد في القيم والمواقف.
· اعتماد مفرط على قبول الآخرين.
· مقارنة اجتماعية مستمرة.
· عزلة متزايدة.
· تغيرات حادة في السلوك.
· انخفاض تقدير الذات.
· اضطراب النوم.
· تراجع الدراسة أو العمل.
· فقدان الاهتمام بالنشاطات المعتادة.
· استخدام قهري أو إشكالي للمنصات.
· شعور متكرر بالفراغ أو عدم المعنى.
وهنا يجب التأكيد:
هذه مؤشرات تستدعي التقييم، وليست تشخيصًا نفسيًا بحد ذاتها.
المحور الثالث عشر: كيف نواجه التفكك الهوياتي؟
الحل لا يكون بمحاضرة واحدة، ولا بالمنع، ولا بمهاجمة الشباب.
بل عبر منظومة متكاملة.
1. على مستوى الفرد
نحتاج إلى تعليم الشباب:
مهارة معرفة الذات
· من أنا؟
· ما قيمتي؟
· ما نقاط قوتي؟
· ما نقاط ضعفي؟
· ما الذي أؤمن به؟
· ما الذي أفعله لأنني مقتنع به؟
· وما الذي أفعله فقط لأن الآخرين يفعلونه؟
2. بناء التفكير النقدي
ليس المطلوب أن نقول للشاب: لا تتأثر بالعالم. بل: تعلم كيف تختار مما يعرضه العالم.
وهنا نحتاج إلى:
· الثقافة الإعلامية.
· الثقافة الرقمية.
· التفكير النقدي.
· كشف التضليل.
· فهم الخوارزميات.
· فهم المقارنة الاجتماعية.
· التمييز بين الواقع والمحتوى المصمم للتأثير.
3. بناء علاقة صحية مع وسائل التواصل
بدل المنع المطلق، نركز على:
· ماذا أستهلك؟
· لماذا أستهلك؟
· كيف يؤثر في مزاجي؟
· هل أقارن نفسي بالآخرين؟
· هل أستطيع التوقف؟
· هل أستخدم المنصة للتواصل أم للهروب؟
وهذا التحول من:
· كم ساعة تستخدم الهاتف؟
إلى:
· ماذا يفعل الهاتف بك نفسيًا؟
هو تحول مهم في فهم المشكلة.
4. إعادة بناء الحوار الأسري
نحتاج إلى أسرة تستطيع أن تقول:
اختلف معك، لكنني أسمعك.”
وهذه الجملة البسيطة قد تكون أكثر حماية للهوية من عشرات الأوامر.
5. الجامعة والمدرسة
لا ينبغي أن تكون المؤسسة التعليمية مكانًا لتقديم المعرفة فقط. بل ينبغي أن تكون مساحة لبناء:
· الهوية.
· المواطنة.
· التفكير النقدي.
· الصحة النفسية.
· الحوار.
· العمل الجماعي.
· المسؤولية الاجتماعية.
ومن المهم إدماج الإرشاد النفسي والمهني والرقمي ضمن البرامج الموجهة للشباب.
6. الإعلام
الإعلام لديه مسؤولية كبيرة.
نحن لا نحتاج إلى إعلام يقول للشباب:
كن مثل هذا الشخص. بل إعلام يساعدهم على اكتشاف
من يمكن أن تكون أنت؟
ويجب الحد من تقديم النماذج السطحية للنجاح باعتبارها المعيار الوحيد:
المال + الشهرة + المظهر = النجاح.
فالنجاح أوسع من ذلك بكثير.
المحور الرابع عشر: من الوقاية إلى التدخل
يمكن بناء استراتيجية من ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: الوقاية
قبل ظهور المشكلة:
· التربية على الهوية.
· الحوار الأسري.
· المهارات النفسية.
· الثقافة الرقمية.
· الأنشطة الشبابية.
المرحلة الثانية: الكشف المبكر
من خلال:
· المرشد النفسي.
· المدرسة.
· الجامعة.
· الأسرة.
· الرعاية الصحية الأولية.
المرحلة الثالثة: التدخل
عندما تظهر مؤشرات نفسية أو سلوكية واضحة، يتم تحويل الشاب إلى الاختصاص النفسي المناسب.
وهنا تؤكد منظمة الصحة العالمية أهمية النظم متعددة المستويات، التي تجمع بين الأسرة والمدرسة والمجتمع والخدمات الصحية، بدل الاعتماد على التدخل العلاجي المتأخر فقط.
المحور الخامس عشر: نموذج عراقي مقترح
يمكن أن نطرح في ختام الندوة نموذجًا بعنوان:
“هوية متماسكة لشباب متوازن“
ويتكون من خمسة مسارات:
المسار الأول: أعرف نفسي
برنامج للوعي بالذات والهوية.
المسار الثاني: أفكر بنفسي
برنامج للتفكير النقدي ومقاومة ضغط الجماعة.
المسار الثالث: أنتمي دون أن ألغي نفسي
برنامج لتعزيز الانتماء الوطني والاجتماعي مع احترام الفردية.
المسار الرابع: أستخدم العالم الرقمي ولا أسمح له باستخدامي
برنامج للصحة النفسية الرقمية.
المسار الخامس: أختلف دون أن أكره
برنامج للحوار وقبول الاختلاف والوقاية من الاستقطاب والكراهية.
رسالة أساسية للشباب
وأعتقد أن من المهم أن نوجه للشباب في نهاية المحاضرة رسالة مباشرة
لا تخجل من جذورك، ولا تخف من المستقبل.
لا تجعل العالم يختار لك من تكون.
تعلم من الآخرين، لكن لا تفقد نفسك بينهم.
تغير، لكن لا تتشظَّ.
اختلافك ليس أزمة، وسؤالك ليس تمردًا، وبحثك عن ذاتك ليس ضعفًا.
المشكلة ليست أن تتغير؛ المشكلة أن تفقد القدرة على معرفة لماذا تغيرت وإلى أين تتجه.
خاتمة المحاضرة
في النهاية، يمكن القول إن التفكك الهوياتي ليس مجرد مشكلة سلوكية لدى الشباب، وإنما هو مؤشر على وجود خلل في العلاقة بين الفرد وذاته وأسرته ومجتمعه وثقافته والعالم الذي يعيش فيه.
والعولمة ليست عدوًا للهوية.
والتكنولوجيا ليست عدوًا للشباب.
والاختلاف ليس عدوًا للمجتمع.
لكن الخطر يبدأ عندما: يفقد الإنسان القدرة على الاختيار،
وعندما: يصبح تقييم الآخرين مصدر قيمته الوحيد،
وعندما: تتحول الهوية من مشروع واعٍ إلى صورة يستهلكها الآخرون ويعيدون تشكيلها.
لذلك فإن هدفنا لا ينبغي أن يكون: إعادة الشباب إلى الماضي.
ولا:
دفعهم إلى تقليد المستقبل.
بل أن نساعدهم على بناء:
هوية قادرة على الجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الانتماء والاستقلال، وبين الثبات والمرونة.
لأن المجتمع الذي يمتلك شبابًا يعرفون من هم، وماذا يريدون، ولماذا يختارون، هو مجتمع أكثر قدرة على الاستقرار والتقدم.
أما المجتمع الذي يترك شبابه في صراع دائم مع ذواتهم، فإنه لا يواجه مشكلة نفسية فقط، بل يواجه مشكلة في مستقبله الاجتماعي والثقافي والوطني.
الفكرة المركزية
نحن لا نريد شابًا يعيش ضد هويته، ولا شابًا يعيش أسير هويته؛ بل نريد شابًا واعيًا بهويته، قادرًا على تطويرها دون أن يفقد نفسه.”
———————
مراجع أساسية للمحاضرة
Erikson, E. H. (1968). Identity: Youth and Crisis. New York: Norton.
Marcia, J. E. (1966). Development and validation of ego-identity status. Journal of Personality and Social Psychology, 3(5), 551–558.
Tajfel, H., & Turner, J. C. (1986). The social identity theory of intergroup behavior.
World Health Organization. (2025). Mental health of adolescents.
World Health Organization. (2024). Mental health of children and young people: Service guidance.
UNICEF Iraq. (2024). Adolescent Development and Participation.
UNICEF Iraq. (2026). National Guiding Manual for Mental Health and Psychosocial Support for Children and Adolescents.
UNICEF Adolescent Mental Health Hub. Social Media: Turning clicks into conversations.
Systematic Review: A Systematic Review of Social Media Use and Adolescent Identity Development (2024).
سبق صوتك .. يسبقك