فريد بلحاج يدعو لصياغة نموذج تنموي تونسي جديد قائم على “السيادة الرباعية”
دعا نائب رئيس مجموعة البنك الدولي السابق لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فريد بلحاج، إلى إعادة صياغة النموذج التنموي التونسي على أساس ما وصفه بـ “السيادة الرباعية”، القائمة على أربعة أبعاد حيوية متكاملة هي: البعد البشري، الغذائي، المالي، والطاقي – التكنولوجي. واعتبر بلحاج أن تونس تقف اليوم أمام لحظة تاريخية حاسمة تستوجب مراجعة جذرية وعاجلة للخيارات الاقتصادية والإستراتيجية المتبعة لعقود.
وأكد بلحاج، في مداخلة له عن بعد عبر تقنية الفيديو خلال فعاليات الدورة 17 للمنتدى السنوي الدولي الذي نظمته مجلة “لإيكونوميست ماغريبان” (الاقتصادي المغاربي)، اليوم الخميس 21 ماي 2026، تحت شعار “تونس: 70 سنة من الاستقلال.. تحديد المسار وساعة الاختيارات”، أن العالم يمر حالياً بمرحلة “تعدد الأزمات” المتداخلة (اقتصادية، مناخية، طاقية، وتكنولوجية)، مما يفرض على الدول تعزيز قدرتها على إدارة نقاط هشاشتها للحفاظ على استقلالية قرارها الوطني.
مفهوم جديد للسيادة في عصر “التفكك الجيو-اقتصادي”
واعتبر الخبير الاقتصادي أن مفهوم السيادة في القرن الحادي والعشرين لم يعد يعني الانغلاق أو الاكتفاء الذاتي المطلق، بل بات يرتكز على “القدرة على إدارة وتنظيم العلاقات الدولية بذكاء وتقليص مواطن الضعف الإستراتيجية”.
وبين أن العالم دخل مرحلة “التفكك الجيو-اقتصادي”، حيث لم تعد القوى الكبرى تبحث عن معدلات النمو المجردة، بل عن تأمين منابع الطاقة، السيادة التكنولوجية، والتحكم الصارم في سلاسل الإمداد والبنى التحتية الحيوية.
ركائز السيادة الرباعية المستهدفة في تونس
فصّل فريد بلحاج أبعاد الرؤية الإستراتيجية التي تحتاجها تونس لبناء اقتصاد مرن وقادر على المنافسة عبر 4 محاور أساسية:
1. الموقع الجغرافي وجيوسياسية الطاقة الجديدة
أبرز بلحاج أن موقع تونس عند تقاطع فضاءات أوروبا وإفريقيا والبحر الأبيض المتوسط يمثل فرصة إستراتيجية كبرى على مسارات التجارة والطاقة العالمية.
وأشار إلى أن “جيوسياسية الطاقة” أصبحت ترتكز على شبكات الربط الكهربائي الذكي والتخزين والموانئ، مستشهداً بمشروع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا (Elmed) المدعوم من البنك الدولي، مؤكداً أن الكابلات البحرية ستصبح مستقبلاً في أهمية خطوط الأنابيب النفطية التقليدية.
2. الأمن الغذائي ومواجهة الإجهاد المائي
أكد المتحدث أن التحدي الفلاحي في تونس لم يعد مرتبطاً بحجم الإنتاج فحسب، بل بمدى قدرة المنظومة الزراعية على الصمود في مواجهة الإجهاد المائي والجفاف المستمر. ودعا إلى الانتقال نحو “الفلاحة الذكية” المعتمدة على التكنولوجيا المتقدمة، وتحديث سلاسل القيمة، وتطوير قدرات التخزين والتصدير.
3. رأس المال البشري ووقف “نزيف السيادة”
أشاد بلحاج بالكفاءات التونسية العالية في مجالات الهندسة، الطب، والتكنولوجيا، مستدركاً بأن بطالة أصحاب الشهادات العليا التي تتجاوز أحياناً 35% وهجرة الأدمغة المستمرة أصبحت تمثل “نزيفاً للسيادة الوطنية”، كون البلاد تتحمل كلفة التكوين لتستفيد من خبراتها اقتصادات أخرى. وشدد على أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني يمثل اليوم سياسة سيادية دفاعية.
4. الإصلاح المالي وتوجيه الادخار للاستثمار
وصف بلحاج الوضع المالي العمومي بأنه أحد أبرز مواطن الهشاشة في تونس، لاسيما بعد تجاوز الدين العمومي حاجز 80% من الناتج الداخلي الخام، واستهلاك كتلة الأجور لأكثر من 13% منه. وانتقد بلحاج لجوء الدولة المكثف للاقتراض الداخلي قائلًا: “إن البنوك التونسية تمول حاضر الدولة أكثر مما تمول مستقبل البلاد”، داعياً لتوجيه الادخار الوطني نحو تمويل الاستثمار الخاص والمؤسسات الاقتصادية الحيوية بدلاً من سندات الخزينة.
المصداقية المؤسساتية وبناء الشراكات
وفي ختام مداخلته، شدد فريد بلحاج على أن عناصر التنافسية الاقتصادية الحديثة باتت ترتكز على توفر الثقة، وضوح القوانين التشريعية، وسرعة اتخاذ القرار الإداري والمصداقية المؤسساتية. واستشهد في هذا الصدد بتجارب دولية وإقليمية ناجحة مثل كوريا الجنوبية، سنغافورة، فيتنام، والمغرب، والتي تمكنت من بناء شراكات حقيقية وفعالة بين القطاعين العام والخاص ضمن رؤية إستراتيجية وطنية موحدة طويلة المدى.
سبق صوتك .. يسبقك