تونس وإيطاليا تعترضان بالأمم المتحدة على الترسيم البحري الليبي التركي - سبق
تونس وإيطاليا تعترضان بالأمم المتحدة على الترسيم البحري الليبي التركي - سبق

تقرير _ تونس وإيطاليا تعترضان بالأمم المتحدة على الترسيم البحري الليبي التركي – سبق

تكتل متوسطي جديد ضد طموحات أنقرة وطرابلس: تونس وإيطاليا تعترضان رسمياً لدى الأمم المتحدة على الترسيم البحري الليبي-التركي

تونس العاصمة — منصة “سبق” الرقمية

كتبه_ قسم التحليلات الاستراتيجية والشؤون الدولية

دخلت منطقة وسط وشرق البحر الأبيض المتوسط منعرجاً جيوسياسياً بالغ التعقيد والحساسية، إثر تحول النزاعات القانونية حول الثروات المغمورة والممرات الملاحية الحيوية إلى أروقة منظمة الأمم المتحدة بشكل علني ومباشر.

فقد كشف تقرير استخباراتي ودبلوماسي يوناني موسع، نشرته صحيفة “غرييس سيتي تايمز” (Greek City Times) وهو ما نقلته وسيلة اعلام ليبية بقلم المحلل إسماعيل كمال، عن تنسيق دبلوماسي رفيع المستوى قاد إلى قيام كل من تونس وإيطاليا بتقديم اعتراضين رسميين منفصلين ومكتوبين إلى الأمانة العامة لمنظمة الأمم المتحدة.

ويعبّر هذا التحرك المشترك بين روما وتونس عن رفض إقليمي قاطع للمطالبات البحرية الأحادية الجانب التي قدمتها السلطات الليبية بشأن منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري في منطقة الملاحة الحرة. وتستند هذه المطالبات الليبية في جوهرها إلى مذكرة التفاهم البحرية المثيرة للجدل والموقعة بين طرابلس وأنقرة في أواخر عام 2019، والتي تهدف إلى إعادة رسم الخارطة البحرية للمنطقة بما يخدم التمدد التركي في شرق المتوسط.

ووفقاً لما ورد في القراءة التحليلية للمراسلات الأممية، فإن العاصمتين روما وتونس تعتبران التوجه الليبي الأخير بمثابة تعدٍّ صريح، مباشر، وغير مبرر على السيادة الوطنية والحقوق البحرية المكتسبة تاريخياً وقانونياً للدول المشاطئة لحوض المتوسط. كما شددت المراسلات على أن هذه الإجراءات الأحادية المتخذة من جانب العاصمة الليبية تفتقر إلى أي أساس قانوني متوافق مع بنود ونصوص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والتي تمثل الدستور المرجعي الحاكم للمياه الدولية والبحار المغلقة.

الموقف الإيطالي: تمسك صارم بحكم محكمة العدل الدولية لعام 1985 وحماية لأمن الطاقة

في تفاصيل الحراك الدبلوماسي الأوروبي، وجهت الحكومة الإيطالية رسالة رسمية شديدة اللهجة ومؤرخة في 26 ماي 2026 إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، صاغتها الدبلوماسية الإيطالية بكثير من الحذر القانوني. وأكدت روما في رسالتها أن الحدود البحرية الواسعة والإحداثيات الجغرافية الجديدة التي تطالب بها الجارة ليبيا تمس بصفة مباشرة ومؤثرة بحقوق إيطاليا السيادية في حوض البحر الأبيض المتوسط، وتحديداً في المناطق المحاذية للمياه الإيطالية والممرات الاقتصادية الحيوية.

وأشارت إيطاليا في متن رسالتها الأممية إلى أن هذه الحدود البحرية المشتركة في هذه المنطقة من المتوسط ليست مشاعاً، بل سبق وأن حددتها وحسمتها بشكل نهائي وقاطع محكمة العدل الدولية في لاهاي عبر حكمها التاريخي الصادر في 3 جوان 1985 بشأن قضية الجرف القاري الشهيرة بين ليبيا وجمهورية مالطا. وتعتبر روما أن إعادة ترسيم الحدود من طرف واحد بناءً على حسابات سياسية مع أنقرة هو قفز على الأحكام القضائية الدولية ومحاولة غير قانونية لتغيير الواقع الجغرافي.

وتنظر الدوائر الاستراتيجية في روما إلى هذه الخطوات التنفيذية الليبية المستمرة كأداة لزعزعة استقرار الممرات البحرية الحيوية وحرية الملاحة الدولية، وتهديداً مباشراً للمصالح الأمنية والطاقية الإيطالية. حيث تمثل تلك المنطقة ممراً رئيسياً لخطوط أنابيب الغاز العابرة للمتوسط، ومساحة حيوية للمشاريع الطاقية المستقبلية، والربط الكهربائي بين شمال إفريقيا وجنوب أوروبا، مما يجعل الدفاع عن الجرف القاري قضية أمن قومي لا تقبل المساومة لدى الجانب الإيطالي.

الموقف التونسي: رفض قاطع لسياسة الأمر الواقع وتمسك باتفاقية عام 1988 التاريخية

من جانبها، وفور رصد التحركات الليبية بالأمم المتحدة، صاغت الدبلوماسية التونسية موقفاً قانونياً وسيادياً صارماً حظي بمتابعة واسعة في الأوساط السياسية المغاربية. وعبرت تونس في بيان شفهي رسمي وموثق تم إيداعه رسمياً بالأمم المتحدة ومؤرخ في 19 أفريل 2026، عن رفضها التام والمطلق للترسيم البحري الليبي الجديد وما تضمنه من إحداثيات جغرافية متقدمة في المياه المتاخمة.

واعتبرت تونس في بيانها الشفهي أن الإحداثيات والخرائط الليبية المودعة تتعارض جملة وتفصيلاً مع قرار وحكم محكمة العدل الدولية الصادر في 24 فيفري 1982 بشأن النزاع حول الجرف القاري بين تونس وليبيا، وهو الحكم الذي أنهى آنذاك أزمة حادة بين البلدين حول حقل البوري النفطي ومناطق التنقيب. وجاء في المراسلة التونسية أن الإجراءات الليبية تنقض بشكل واضح “اتفاقية تنفيذ حكم محكمة العدل الدولية” المبرمة والملزمة قانوناً بين البلدين منذ عام 1988، والتي تم بناءً عليها رسم خط الجرف القاري المشترك بدقة وبموافقة البرلمانين التونسي والليبي في ذلك الوقت.

وشددت الدولة التونسية على أن الخط البحري الذي أعلنت عنه السلطات الليبية مؤخراً يمثل إجراءً أحادي الجانب ومفتقداً لأي أساس قانوني أو جغرافي دولي يعتد به. وأكدت تونس التزامها الصارم بأحكام محكمة العدل الدولية لعام 1982 والاتفاقية الثنائية لعام 1988 كمرجعيتين قانونيتين وحيدتين لرسم الحدود المشتركة، محذرة من مغبة تحويل الاستكشافات الطاقية والمائية إلى بؤر للنزاع الإقليمي.

ومع ذلك، أبقت تونس على البعد الأخوي والدبلوماسي؛ حيث دعت السلطات في طرابلس إلى ضرورة فتح قنوات حوار جاد ومفاوضات مباشرة وصريحة بين الطرفين لمعالجة كافة القضايا البحرية العالقة والملفات الفنية المشتركة، وذلك وفقاً لروح القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بعيداً عن سياسات فرض الأمر الواقع الإقليمي.

جذور النزاع الإقليمي: من اتفاقية أنقرة 2019 إلى تصعيد الخرائط في 2025

لفهم أبعاد هذا الصدام الدبلوماسي المتنامي في عام 2026، يجب العودة إلى الجذور التاريخية والسياسية لهذا النزاع الإقليمي المحتدم. حيث تعود نقطة التحول الأساسية إلى مذكرة التفاهم البحرية والأمنية والعسكرية التي وقعها رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية السابقة، فائز السراج، مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إسطنبول في نوفمبر 2019. وتضمنت تلك المذكرة ترسيماً غريباً وغير مألوف للحدود البحرية، يقسم مناطق واسعة من شرق المتوسط بين تركيا وليبيا، متجاهلاً تماماً الحقوق الجغرافية الطبيعية لجزر يونانية مأهولة وحيوية للغاية مثل جزيرة كريت وجزيرة رودس.

وهذه الاتفاقية التركية الليبية قوبلت منذ اللحظة الأولى لتوقيعها برفض جاف وقاسٍ وتحركات مضادة من قِبل اليونان ومصر، اللتين وقعتا لاحقاً اتفاقية ترسيم متبادلة، واعتبرتا الخطوة التركية خرقاً جسيماً لمناطقهما الاقتصادية الخالصة ومحاولة من أنقرة لمحاصرة مشاريع منتدى غاز شرق المتوسط ومحاولة لفرض نفوذ عسكري بحري في مياه شمال إفريقيا.

وتفاقمت الأزمة بشكل ملموس وأخذت أبعاداً تنفيذية خطيرة عندما قامت السلطات الليبية في طرابلس، في شهر ماي 2025، بإيداع مذكرة رسمية رسمية لدى لجنة حدود الجرف القاري بالأمم المتحدة، وأرفقتها بخريطة إحداثيات تفصيلية ودقيقة تؤكد فيها ما وصفته بحقوقها السيادية المطلقة في شرق وجنوب شرق البحر الأبيض المتوسط. هذا الإيداع الليبي لعام 2025 كان بمثابة إعلان رسمي لبدء تطبيق مفاعيل الاتفاقية المشتركة مع تركيا على أرض الواقع، مما أثار سلسلة متتالية من الاعتراضات الإقليمية العنيفة.

وجاء الاعتراضان التونسي والإيطالي المتتاليان في النصف الأول من عام 2026 ليتسعا بدائرة الدول الرافضة لهذا الترسيم، مما يعزل الموقف الليبي-التركي قانونياً.

ويبعث هذا التحرك برسالة واضحة للمحافل الدولية مفادها أن أي اتفاقية أو مذكرة تفاهم تتجاهل الحقوق الجغرافية والتاريخية وأحكام القضاء الدولي للدول المشاطئة ستظل حبراً على ورق، وغير معترف بها قانونياً أو دبلوماسياً، ولن تمنح أي شرعية للشركات الدولية للتنقيب عن النفط والغاز في تلك المناطق المتنازع عليها.

عن admin

شاهد أيضاً

الملف الشائك: قراءة تفصيلية في أبعاد صراع الصحراء والجمود المغاربي

الملف الشائك: قراءة تفصيلية في أبعاد صراع الصحراء والجمود المغاربي

الملف الشائك: قراءة تفصيلية في أبعاد صراع الصحراء والجمود المغاربي بقلم الكاتب والباحث : رنج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *