التعليم في اليمن... تحديات تهدد مستقبل جيل كامل
التعليم في اليمن... تحديات تهدد مستقبل جيل كامل

التعليم في اليمن… تحديات تهدد مستقبل جيل كامل

 بقلم الكاتبة نورهان الغرباني _ اليمن 

 

 

 

في بلدٍ أنهكته سنوات الحرب والأزمات الاقتصادية والنزوح، لم يعد السؤال في اليمن: كيف نطوّر التعليم؟ بل أصبح أكثر إلحاحاً: كيف نحافظ على حق الطفل في أن يتعلم أصلاً؟

حيث يقف التعليم اليمني أمام واحدة من أصعب أزماته؛ أزمة لا تتعلق بالمدارس والمناهج فقط، بل تمتد إلى المعلم والطالب والأسرة والاقتصاد والبنية المؤسسية للدولة.

 

ملايين الأطفال خارج المدرسة 

 

وفق بيانات وتقديرات حديثة لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، فإن نحو 4.5 مليون طفل يمني في سن الدراسة، من 5 إلى 17 عاماً، لا يذهبون إلى المدرسة.

وتكشف بيانات اليونسكو عن اتساع المشكلة في المراحل الأعلى من التعليم؛ إذ تشير أحدث البيانات النموذجية المتاحة إلى أن نحو 50% من الأطفال في سن التعليم الثانوي الأعلى خارج المدرسة، مقابل نحو 27% في التعليم الثانوي الأدنى و21% في المرحلة الابتدائية.

وهذه الأرقام لا تعكس مشكلة تعليمية فحسب، بل أزمة مستقبل؛ فالطفل الذي ينقطع عن المدرسة يصبح أكثر عرضة للعمل المبكر والفقر وفقدان فرصه في الحصول على تعليم ومهنة مستقرة.

 

الحرب… مدرسة تدفع ثمن الصراع 

 

لم تقتصر آثار الحرب على تعطيل العملية التعليمية، بل طالت البنية التحتية نفسها.

وبحسب اليونسكو، تضررت أو دُمّرت 2,375 مدرسة، بينما ظل أكثر من 2.5 مليون طفل خارج المدرسة وفق تقديرات منشورة في أبريل/نيسان 2026.

كما أدى النزوح إلى اقتلاع آلاف الأطفال من بيئاتهم التعليمية، واضطرت بعض الأسر إلى إخراج أطفالها من المدارس بسبب الظروف الاقتصادية أو لإشراكهم في العمل ومساعدة الأسرة.

 

المعلم… الحلقة الأضعف 

 

لا يمكن الحديث عن إصلاح التعليم من دون الحديث عن المعلم.

وتشير بيانات مجموعة التعليم في اليمن إلى أن نحو 65% من المعلمين لا يحصلون على رواتب أو حوافز منتظمة، وهو ما ينعكس على استقرار العملية التعليمية وقدرة المعلم على الاستمرار في أداء دوره.

وقد ساهمت برامج الدعم الدولية في سد جزء من هذه الفجوة؛ إذ أعلنت اليونيسف أن برامجها قدمت حوافز منتظمة لأكثر من 40 ألف معلم، وأعادت تأهيل أكثر من 770 مدرسة، ودعمت تدريب أكثر من 9 آلاف معلم.

لكن هذه التدخلات، مهما كانت مهمة، تبقى حلولاً مساندة لأزمة تحتاج إلى معالجة مؤسسية وتمويل مستدام.

 

المشكلة ليست في الوصول إلى المدرسة فقط

 

حتى الطفل الذي يصل إلى المدرسة لا يضمن بالضرورة حصوله على تعليم جيد.

وفق البنك الدولي، يعاني اليمن من واحدة من أعلى نسب فقر التعلّم عالمياً؛ إذ تشير أحدث البيانات إلى أن نحو 95% من الأطفال في نهاية المرحلة الابتدائية لا يستطيعون قراءة وفهم نص قصير مناسب لأعمارهم، مع احتساب الأطفال غير الملتحقين بالمدرسة ضمن المؤشر.

كما يشير البنك الدولي إلى أن الوقت التعليمي الفعلي في اليمن انخفض إلى نحو 350 ساعة سنوياً، مقارنة بنحو 750 ساعة كمعيار وطني وقرابة 1,000 ساعة كمرجع عالمي.

وهذا يعني أن أزمة التعليم لا تتعلق بعدد الأطفال الموجودين داخل الفصول فقط، وإنما بما يتعلمونه فعلاً.

 

الفقر والنزوح والفتيات 

 

تتداخل الأزمة التعليمية مع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية. فالفقر يدفع بعض الأطفال إلى سوق العمل، بينما يؤدي النزوح إلى صعوبة الالتحاق بالمدارس أو الاستمرار فيها.

وتواجه الفتيات تحديات إضافية، خصوصاً في المناطق الريفية والمراحل التعليمية الأعلى. وتظهر بيانات اليونسكو أن مؤشر التكافؤ بين الجنسين في التعليم الثانوي الأعلى بلغ 0.8 في أحدث قيمة متاحة لعام 2022، بما يعكس استمرار فجوة لصالح الذكور.

كما تؤثر المسافة إلى المدرسة، ونقص المعلمات، والزواج المبكر، والظروف الاقتصادية في فرص الفتيات في مواصلة التعليم.

 

مدارس تفتقر إلى الأساسيات 

 

تواجه المدارس اليمنية تحديات تتجاوز المباني المتضررة، إذ يعاني كثير منها من الاكتظاظ ونقص المواد التعليمية، إضافة إلى ضعف توفر المياه والكهرباء ودورات المياه والمختبرات والمكتبات.

وتشير بيانات اليونسكو إلى أن نحو 60.9% من المدارس الثانوية العليا كانت لديها كهرباء في آخر سنة إدارية متاحة، بينما بلغت نسبة المدارس التي تتوفر فيها خدمات مياه الشرب الأساسية نحو 46% في البيانات المتاحة.

وهذا يجعل الحديث عن التحول الرقمي وتطوير التعليم أكثر صعوبة في مدارس ما زالت تكافح لتوفير أساسيات البيئة التعليمية.

 

أزمة البيانات… تحدٍ آخر 

 

أدت سنوات الصراع إلى إضعاف أنظمة المعلومات التعليمية، ولم تتوفر بيانات وطنية شاملة ومنتظمة لسنوات طويلة.

وبحسب اليونسكو، تعطّل نظام معلومات إدارة التعليم بسبب النزاع، قبل أن تبدأ جهود لإعادة بنائه وإجراء تعداد مدرسي وطني. وفي عام 2025 شهد اليمن تنفيذ أول تعداد مدرسي وطني منذ أكثر من عقد، بهدف تحسين التخطيط واتخاذ القرارات بناءً على بيانات أكثر دقة.

فلا يمكن إصلاح التعليم من دون معرفة دقيقة بعدد الطلاب والمعلمين والمدارس ومواقع التسرب ومناطق الاحتياج.

 

ماذا يحتاج التعليم اليمني؟ 

 

إنقاذ التعليم اليمني يحتاج إلى استراتيجية طويلة المدى، تبدأ بحماية المدارس والطلاب والمعلمين، وضمان انتظام أجور المعلمين، وإعادة تأهيل المدارس، وتوفير المياه والكهرباء والمستلزمات التعليمية.

كما يتطلب الأمر تدريب المعلمين، ومعالجة اكتظاظ الفصول، وتطوير المناهج، وإطلاق برامج تعليم تعويضي للأطفال الذين انقطعوا عن الدراسة، مع إعطاء اهتمام خاص للفتيات والنازحين والأطفال ذوي الإعاقة والمناطق الريفية.

والأهم أن التعليم يجب ألا يُعامل باعتباره ملفاً خدمياً ثانوياً؛ فهو أحد أهم مفاتيح الخروج من الفقر وعدم الاستقرار.

 

التعليم ليس رفاهية 

 

قد تبدو أزمة التعليم أقل صخباً من أزمات الغذاء والنزوح، لكنها أزمة تمتد آثارها إلى مستقبل المجتمع بأكمله.

فالطفل الذي يفقد مقعده الدراسي اليوم لا يخسر عاماً دراسياً فقط، بل قد يخسر مهارة وفرصة عمل وقدرة على بناء مستقبل مختلف.

اليمن لا يحتاج فقط إلى إعادة فتح أبواب المدارس، بل إلى ضمان أن تقود تلك الأبواب الأطفال فعلاً نحو مستقبل أفضل.

شاهد أيضاً

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»... حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»… حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

 بقلم الكاتب والمحلل السياسي سعد محمد عبدالله – السودان      يمثل كتاب «مستقبل بلد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *