مركز الرؤية والمنظمة الدولية للعلوم يطلقان دراسة استراتيجية حول التفكك الهوياتي بين الشباب

تغطية حصرية لسبق – مركز الرؤية والمنظمة الدولية للعلوم يطلقان دراسة استراتيجية حول التفكك الهوياتي بين الشباب

التحولات الهوياتية في عصر العولمة: رؤية إستراتيجية شاملة لتعديل المسار وتحصين الشباب العربي

تغطية حصرية لسبق 

 

شهد الفضاء الرقمي امس، انعقاد الفعالية الفكرية والعلمية المتميزة المتمثلة في الندوة الافتراضية المعنونة  بـ “التحولات الهوياتية في عصر العولمة: التصدي للتفكك الهوياتي بين الشباب”.

وتأتي هذه الندوة العلمية الدولية كأهم ثمار التعاون البنّاء والشركاء الاستراتيجيين بين “مركز الرؤية للدراسات السياسية والاستراتيجية” في مصر و”المنظمة الدولية للعلوم والتنمية” بليبيا، لتشكل منصة حوارية فكرية رفيعة المستوى لمناقشة إحدى أعقد القضايا وأشدها خطورة على امتداد الأمة العربية في القرن الحادي والعشرين.

افتتاحية الندوة والأبعاد الإستراتيجية للأمن الفكري

تولت إدارة الجلسة العلمية الدكتورة مايسة خليل حسن، المدير التنفيذي لمركز الرؤية للدراسات السياسية والاستراتيجية، حيث استهلت أعمال الندوة بالترحيب بالحضور الكبير وتأطير أهداف هذا اللقاء العلمي.

وأبرزت الدكتورة مايسة خليل حسن الهوية المؤسسية لمركز الرؤية باعتباره صرحاً بحثياً مستقلاً في مصر والعالم العربي، يُدار عبر نخبة متخصصة من الباحثين والخبراء في مجالات السياسة، والاقتصاد، والأمن، والعلاقات الدولية. وأكدت أن النهضة الحقيقية تنطلق أساساً من الفكر، وتتغذى بالعلوم، وترسخ بالحوار المسؤول.

ولفتت المدير التنفيذي لمركز الرؤية إلى أن تنظيم الندوة جاء امتداداً للورقة البحثية التي تقدم بها المركز إلى جامعة الدول العربية تحت عنوان “رؤية استراتيجية لإدارة التنوع وتحصين الهوية العربية الجامعة”، والتي حظيت بقبول واسع وشكلت الدافع الأساسي لعقد هذه الندوة.

كما شهدت الندوة حضوراً وتكريماً رفيع المستوى تمثل في مشاركة القادة العسكريين بالجيش المصري العظيم، حيث وجهت الدكتورة مايسة خليل حسن تحية إجلال وتكريم لرجال القوات المسلحة البواسل. وأكدت الندوة أن مشاركة القيادات العسكرية تجسد وعي مؤسسات الدولة المصرية بأن معركة العصر لا تقف عند حدود حماية التراب والموارد فقط، بل تمتد لتشمل حماية الوعي والهوية، باعتبار الأمن الفكري ركيزة لا تقل أهمية عن الأمن العسكري.

وامتد الترحيب ليشمل قلاع العلم من أساتذة الجامعات العربية، والطلبة والباحثين باعتبارهم عماد المستقبل وثروة الأمة الحقيقية، إضافة إلى ممثلي وسائل الإعلام والمحللين السياسيين المعنيين بنشر الوعي ونقل مخرجات الندوة للجمهور العربي.

العولمة والفضاء الرقمي: تحديات وجودية تؤرق الهوية الجامعة

طرحت الندوة نقاشاً عميقاً حول قضية الهوية في ظل تسارع المتغيرات وتداخل الثقافات وتطوّر وسائل الاتصال. وأوضحت أدبيات الجلسة أن الهوية الوطنية والعربية ليست مجرد شعارات مرحلية تُرفع في المناسبات، بل هي كيان حي يتشكل عبر التراكم التاريخي، واللغة المشتركة، والمصير الواحد، والثقافة الحاضنة لوجدان الأمة.

ورغم ما حملته العولمة من منافع تقنية وعلمية، إلا أنها فرضت تحديات وجودية تمثلت في:

  • تذويب الخصوصيات الثقافية: محاولة فرض نماذج هوياتية وأنماط استهلاكية موحدة تشجع الفردانية على حساب القيمة الجماعية.

  • استهداف الفئات الشبابية: الوقوع تحت تأثير الفضاء الرقمي وخوارزميات التواصل الاجتماعي، التي تعمل على تعزيز الانقسام وحجز المستخدمين داخل فقاعات فكرية مغلقة.

  • حروب الجيل الرابع والخامس: صراعات ناعمة تستهدف العقول والقلوب لتفكيك النسيج المجتمعي وإضعاف الروح المعنوية للمواطنين.

  • تراجع الخطاب الموحد: غياب الخطاب العربي الموحد للهوية وتهميش دور المؤسسات التربوية والثقافية، مما يخلق بيئة خصبة لصعود الهويات الفرعية وخطابات الكراهية والفرقة.

القامات الأكاديمية والمحاور العلمية المتقدمة

شهدت الندوة مشاركة نخبة متميزة من الباحثين والأكاديميين، حيث قدّم كل منهم ورقة علمية تناولت زاوية متخصصة من أبعاد القضية:

  • الأستاذ إدريس عبد السلام أحميد: رئيس المنظمة الدولية للعلوم والتنمية – ليبيا، والإعلامي والباحث المتخصص في الشأن السياسي المغاربي والدولي؛ حيث أثرى النقاش بخبرته الإعلامية والبحثية الكبيرة في تحليل القضايا الإقليمية.

  • الدكتورة سيلفانا عزت: الباحثة في العلوم السياسية والسياسات العامة بمركز الرؤية، ورئيس اللجنة المركزية للمرأة بالمجلس القومي الداعم لرئيس الجمهورية والدولة المصرية. وتستند مشاركتها إلى رصيد بحثي شامل يتضمن دراسة التمكين السياسي للمرأة المصرية (2025)، وورقة تقدير موقف حول التصعيد الدبلوماسي بين مصر وجنوب السودان (2026)، ودراسات الأزمة السودانية وتداعياتها الإقليمية، إضافة لمقالها التحليلي عن زيارة ترامب للصين.

  • الباحث كريم هاني عبد الغفار: الباحث في العلوم السياسية بكلية السياسة والاقتصاد بجامعة بني سويف؛ وقدم محورا بعنون “تحليل الفجوة بين الأجيال وإعادة تعريف السلطة الرمزية في الأسرة والمجتمع”.

  • الدكتورة شيماء مجيد حميد بهية: الباحثة والأكاديمية المتخصصة في علم النفس والإرشاد التربوي وعضو اللجنة العليا في مركز دار السلام للنصح والإصلاح التابع لمستشارية الأمن القومي بدولة العراق ؛ وركزت على الربط بين علم النفس والأمن الفكري والمجتمعي والأمن الوطني.

  • الباحث نبيل بهاء الدين: رئيس جمعية التأصيل للبحوث والدراسات العلمية وباحث الماجستير بكلية الحقوق بجامعة الإسكندرية؛ حيث تناول الأطر القانونية المرتبطة بحماية الهوية الوطنية وتماسك المجتمع.

  • الدكتورة أمل رمضان أبوالمجد: الحاصلة على الدكتوراه في العلوم السياسية والمتخصصة في نظم الحكم؛ وقدمت محوراً بعنوان “رصد مظاهر التفكك الهوياتي في السلوك اليومي والصحة النفسية للشباب”.

  • الباحث خالد عبد العزيز السيد فواز: المدرس المساعد بقسم الاقتصاد الدولي بالجامعات الخاصة بالمنصورة؛ وقدم محوراً رئيساً بعنوان “استراتيجيات التصحيح وإعادة بناء الهوية في السياق المعاصر”، مُغطيًا خمسة محاور شملت الأسرة، والتعليم والإعلام، والثقافة الرقمية، وتعزيز الانتماء، ودور المؤسسات الرسمية والثقافية.

النتائج الرئيسية للندوة العلمية

خلصت أعمال الندوة والنقاشات المستفيضة إلى حزمة من النتائج العلمية والميدانية المباشرة:

  1. التحديات الهوياتية: تواجه الهوية العربية تحديات تجريفية بفعل العولمة، تسعى إلى إحلال أنماط استهلاكية وموديلات هوياتية بديلة تتصادم مع النسق القيم الأخلاقي والمجتمعي.

  2. استهداف الشباب: يُعد الشباب العربي شريحة الاستهداف الأولى لكونهم في مرحلة تشكيل الوعي والانغماس الفائق في الشبكات الرقمية.

  3. ازدواجية الأدوات الرقمية: للفضاء الرقمي أدوات مزدوجة؛ فهو إما وسيلة بناء وتواصل وإما أداة تفكيك ونشر لهويات فرعية وخطابات كراهية.

  4. عواقب غياب الخطاب الجامع: يؤدي غياب الاستراتيجيات العربية الجامعة وتراجع التوعية بالتراث والتاريخ إلى وضع الشباب في حالة اغتراب وتيه هوياتي.

  5. المظاهر السلوكية والنفسية: تتجسد مظاهر التفكك الهوياتي في السلوكيات اليومية، وأنماط الاستهلاك، واللغة المستعملة، وتنعكس سلبًا على الصحة النفسية وشعور الانتماء.

  6. تراجع دور الأسرة: تواجه الأسرة ضعفاً في أدوارها التنشئة التقليدية نتيجة تزاحم وسائل التواصل الرقمية وغياب القدوات التوجيهية.

  7. صراع السلطة الرمزية: اتساع الفجوة الجيلية وإعادة تشكيل مفاهيم السلطة الرمزية داخل الأسر والمجتمعات يربكان عملية انتقال القيم الأصيلة عبر الأجيال.

التوصيات الإستراتيجية الشاملة لحماية الهوية العربية

بناءً على النتائج الميدانية والتحليلية، خرجت الندوة برؤية عملية وتوصيات حاسمة موجهة لجهات متعددة:

أولاً: التوصيات الموجهة إلى الدول العربية والحكومات

  • إطلاق مبادرة عربية لحماية الهوية الوطنية: تحت مظلة جامعة الدول العربية لتأطير العمل المشترك لمواجهة التفكك والتطرف وتحصين الشباب.

  • إنشاء مرصد عربي للهوية والوعي الرقمي: يتولى رصد خطابات الكراهية والأفكار المتطرفة وتفنيدها علمياً بالتنسيق مع منصات التواصل الاجتماعي.

  • اعتماد ميثاق عربي لإدارة التنوع والهوية: يحدد الأطر المرجعية الوطنية القائمة على التعايش والتسامح واحترام الاختلاف.

ثانياً: التوصيات الموجهة إلى المؤسسات التعليمية والتربوية

  • تطوير المناهج الدراسية: إدماج مفاهيم المواطنة، والتسامح، والوعي الرقمي النقدي من المراحل التعليمية الأولى، وتدريب المعلمين على تدريسها.

  • برامج الطفولة المبكرة: بناء أدوات تربوية وقصص تفاعلية ومحتوى عربي فصيح يرسي قيم الانتماء والتعايش لدى الأطفال.

ثالثاً: التوصيات الموجهة إلى الأسرة والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني

  • تأهيل الوالدين: تقديم برامج توعوية للأسر حول آليات التربية الرقمية والوقاية من خطابات الكراهية.

  • تجديد الخطاب الديني: تطوير خطاب إنساني وديني يؤكد أن التنوع سنة إلهية، وتدريب الأئمة والوعاظ على فنون الحوار وإدارة الاختلاف.

  • تفعيل المجتمع المدني: إطلاق حملات وندوات ميدانية وورش عمل تصحح المفاهيم المغلوطة حول الانتماء.

رابعاً: التوصيات الموجهة إلى الإعلام والمؤسسات الثقافية

  • إنتاج محتوى ثقافي هادف: الاستثمار في الدراما والأفلام الوثائقية والبرامج التي تجسد الهوية الجامعة والنماذج الإيجابية للتعايش.

  • تأسيس شبكة عربية ثقافية وإعلامية: لتنسيق الجهود وإنتاج محتوى عربي تفاعلي جذاب يستقطب الشباب على الفضاء الرقمي.

خامساً: التوصيات الموجهة إلى الشباب والقيادات الشبابية

  • برنامج عربي للقيادات الشبابية: تدريب الشباب على مهارات الحوار وتشكيل “شبكة عربية لسفراء الهوية” تعمل كقوة ناعمة رقمية.

  • دعم المبادرات الإبداعية: رعاية المشاريع الفنية والأدبية والثقافية التي تتيح للشباب التعبير عن هويتهم بأساليب مبتكرة.

سادساً: التوصيات الموجهة إلى المنظمات الإقليمية والدولية

  • تأسيس شراكات إستراتيجية: تعزيز الشراكات بين جامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، واليونسكو، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لتنفيذ مشاريع حماية الهوية والتحصين الفكري للشباب.

إن حماية الهوية الوطنية والعربية في ظل العولمة المتسارعة لا تعني الانغلاق عن العالم أو رفض التطور التقني، بل تتطلب بناء شخصية واعية وقادرة على التفاعل الإيجابي مع العالم دون التفريط في الأصالة والجذور الثقافية. ويبدأ هذا المسار بالاستثمار الحقيقي في وعي الشباب باعتبارهم الدرع الأول الحامي لتواجد الأمة ومستقبلها.

شاهد أيضاً

تحليل الفجوة بين الأجيال وإعادة تعريف السلطة الرمزية في الأسرة والمجتمع - الورقة البحثية الثانية

تحليل الفجوة بين الأجيال وإعادة تعريف السلطة الرمزية في الأسرة والمجتمع – الورقة البحثية الثانية

المحور الثالث إعداد د. شيماء مجيد بهيه _ بابل – العراق شهد الفضاء الرقمي مساء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *