أخبار عاجلة
هل تكون المياه شرارة الحرب القادمة؟
هل تكون المياه شرارة الحرب القادمة؟

هل تكون المياه شرارة الحرب القادمة؟

هل تكون المياه شرارة الحرب القادمة؟

بقلم الدكتور محمود سيد محمد.
المؤسسة المصرية للدراسات السياسية والإستراتيجية.


عندما نتحدث عن حروب الشرق الأوسط، تذهب الأذهان عادة إلى النفط والغاز والممرات البحرية. لكن هناك موردًا آخر قد يصبح أكثر حساسية من كل ذلك: المياه.

الفارق أن النفط يمكن شراؤه من السوق، ويمكن استبدال مصدر بآخر، أما الماء فلا يمكن تأجيله إلى أن تنتهي الأزمة. ولهذا فإن الدول التي تدخل سنوات الجفاف وهي تفتقد اتفاقات واضحة لإدارة الأنهار المشتركة قد تجد نفسها أمام أزمة سياسية قبل أن تصل إلى مواجهة عسكرية.

الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يقدمان صورة واضحة. البنك الدولي قال في تقرير «اقتصاديات ندرة المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» الصادر في 27 أبريل 2023، إن متوسط المياه المتاحة للفرد في المنطقة سيهبط إلى أقل من 500 متر مكعب سنويًا بحلول نهاية العقد، وهو مستوى الندرة المائية المطلقة. وفي تقرير نشره البنك في يناير 2025، قُدر متوسط الإتاحة الفعلية في المنطقة بنحو 480 مترًا مكعبًا للفرد عام 2023، أي أقل من 10% من المتوسط العالمي. ويقدر البنك أن المنطقة ستحتاج إلى 25 مليار متر مكعب إضافية سنويًا بحلول 2050 لتلبية الطلب المتوقع.

لكن الرقم وحده ليس المشكلة. المشكلة أن جزءًا كبيرًا من هذه المياه يأتي من أنهار مشتركة.

وفق الأمم المتحدة، هناك 153 دولة تقع أراضيها ضمن أحواض أنهار أو بحيرات عابرة للحدود، وتمثل المياه العابرة للحدود نحو 60% من تدفقات المياه العذبة في العالم. وأكثر من ثلاثة مليارات شخص يعتمدون على مياه تعبر الحدود الوطنية. وفي تحديث الأمم المتحدة لعام 2024، لم يكن لدى سوى 43 دولة من أصل 153 ترتيبات تشغيلية تغطي 90% أو أكثر من أحواضها المشتركة.

هذه الأرقام تشرح لماذا لا يمكن النظر إلى أزمة المياه باعتبارها مشكلة داخلية فقط.

خذ النيل.

سد النهضة الإثيوبي لم يعد مشروعًا على الورق. إثيوبيا افتتحت السد رسميًا في 9 سبتمبر 2025، وتبلغ سعته التصميمية نحو 74 مليار متر مكعب، بينما تصل قدرته التوليدية إلى نحو 5150 ميغاوات. بالنسبة إلى إثيوبيا هو مشروع للطاقة والتنمية، أما بالنسبة إلى مصر والسودان فالمسألة ترتبط بكيفية تشغيل السد وإدارة سنوات الجفاف والتصرفات المائية، وليس بمجرد وجود السد.

مصر تقول إن احتياجاتها السنوية تبلغ نحو 114 مليار متر مكعب، بينما تقدر مواردها التقليدية بنحو 59.6 مليار متر مكعب، منها 55.5 مليار من مياه النيل. وتعتمد القاهرة لتغطية جزء من الفجوة على إعادة استخدام المياه وتحلية مياه البحر واستيراد الغذاء، الذي يعادل وفق وزارة الموارد المائية والري نحو 33 مليار متر مكعب من المياه الافتراضية سنويًا.

لهذا لا يدور الخلاف حول «كمية المياه» فقط، وإنما حول قواعد التشغيل في المستقبل.

وهذه نقطة مهمة يغفلها كثير من النقاش العام.

القانون الدولي للمياه لا يعطي دولة المنبع حقًا مطلقًا في استخدام النهر لمجرد أن جزءًا منه يقع داخل أراضيها. اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية وضعت مبدأين أساسيين: الاستخدام المنصف والمعقول، وواجب اتخاذ التدابير المناسبة لمنع إحداث ضرر ذي شأن للدول الأخرى. كما ألزمت الدول بالتعاون والنظر في العوامل الجغرافية والمناخية والاحتياجات السكانية والاقتصادية عند تحديد الاستخدام العادل.

والأهم أن هذه المبادئ لم تبقَ حبرًا على ورق. محكمة العدل الدولية أكدت في أحكامها المتعلقة بالمجاري المائية الدولية أن للدول المتشاطئة حقًا في الاستخدام المنصف والمعقول، وفي الوقت نفسه عليها ألا تستخدم النهر بطريقة تحرم الدول الأخرى من حقها في الاستخدام المعقول أو تسبب لها ضررًا ذي شأن.

المشكلة أن القانون يضع المبادئ، لكنه لا يستطيع وحده تشغيل سد في سنة جفاف.

وهنا تظهر الفجوة بين القانون والسياسة.

في حوض دجلة والفرات، مثلًا، توجد اتفاقات جزئية لكنها لم تنتج حتى الآن نظامًا شاملًا للدول الثلاث: تركيا وسوريا والعراق. في عام 1987 تعهدت تركيا، في بروتوكول مع سوريا، بمتوسط تدفق لا يقل عن 500 متر مكعب في الثانية عند الحدود التركية السورية خلال مرحلة ملء سد أتاتورك وحتى الوصول إلى اتفاق نهائي. وفي 1990 اتفقت سوريا والعراق على اقتسام المياه التي تصل إلى سوريا من تركيا بنسبة 42% لسوريا و58% للعراق. لكن هذه الترتيبات لم تكن اتفاقًا ثلاثيًا شاملًا ينظم الحوض كله.

وهذا يعني أن أي انخفاض حاد في تدفقات دجلة والفرات، بسبب الجفاف أو تشغيل السدود أو زيادة الطلب الزراعي، يمكن أن يتحول سريعًا إلى خلاف سياسي.

العراق تحديدًا لا يملك رفاهية الانتظار. أكثر من 90% من مياه الفرات التي تصل إليه تأتي من خارج حدوده، وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة. وعندما تنخفض المياه، لا تتأثر المدن فقط؛ تتأثر الزراعة والطاقة والريف وحركة السكان.

من هنا يمكن تصور ثلاث صور للصراع المائي.

الأولى تبدأ بأزمة تفاوضية: دولة منبع تطلق مشروعًا جديدًا، ودولة مصب تطالب بإخطار مسبق ودراسة للآثار وضمانات في سنوات الجفاف. إذا طال الخلاف، تتحول المياه إلى ورقة في العلاقات السياسية والتجارية والأمنية.

الصورة الثانية أكثر خطورة: أزمة تشغيل. يحدث جفاف شديد، أو تتغير كميات التصريف بصورة مفاجئة، أو تمتلئ السدود في توقيت حساس للزراعة. عندها قد ترى دولة المصب أن الضرر لم يعد نظريًا، فتبدأ إجراءات دبلوماسية وضغوط دولية وربما تحركات أمنية لحماية منشآتها ومصالحها.

أما الصورة الثالثة فهي الأسوأ: ارتباط المياه بصراع سياسي قائم أصلًا. عندما تكون العلاقات بين دولتين متوترة بسبب الحدود أو الأمن أو النفوذ الإقليمي، يمكن أن تتحول المياه إلى ورقة ضغط إضافية. وفي هذه الحالة لا تكون المياه سبب الأزمة الوحيد، لكنها تصبح وقودًا لها.

وهذا هو السيناريو الذي يجب الانتباه إليه.

ليس صحيحًا أن كل نقص في المياه يقود إلى حرب، كما أن التعاون المائي ممكن حتى بين دول متنافسة. لكن التاريخ الحديث يوضح أن غياب الاتفاقات الواضحة يجعل كل سنة جفاف أكثر خطورة من التي قبلها.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي بالنسبة إلى المنطقة ليس من يملك النهر، بل من يملك قواعد واضحة لاستخدامه عندما تقل مياهه؟

سد النهضة، ودجلة والفرات، والمياه الجوفية، وحتى مشروعات التحلية، كلها أجزاء من صورة واحدة: المنطقة تدخل مرحلة يصبح فيها الماء عنصرًا من عناصر القوة والتفاوض، إلى جانب الجيش والاقتصاد والطاقة.

وقد لا تبدأ الحرب بسبب الماء وحده.

قد تبدأ أزمة سياسية بسبب سد، ثم تدخل فيها حسابات الأمن والغذاء والحدود والنفوذ، وبعدها يصبح التراجع أصعب.

النفط كان لعقود سلعة استراتيجية تستطيع الدول أن تشتريها أو تمنعها أو تعوضها بمصدر آخر. أما الماء فهو مختلف. عندما يقل، لا يستطيع أحد أن يطلب من شعبه الانتظار.

لهذا فإن «حرب المياه» قد لا تبدأ بإطلاق النار، بل بقرار أحادي، أو سد جديد، أو موسم جفاف، أو انهيار اتفاق قديم.

وإذا لم تضع دول المنطقة قواعد واضحة قبل أن تشتد الندرة، فقد يكون الصراع الحقيقي في السنوات المقبلة ليس على النفط الذي اعتدنا الحديث عنه، وإنما على المورد الذي لا يستطيع الإنسان أن يعيش بدونه: الماء.

شاهد أيضاً

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان   عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي – العراق  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *