الشرطة الجبائية بتونس تحقق في تهرب ضريبي بقطاع الملح
الشرطة الجبائية بتونس تحقق في تهرب ضريبي بقطاع الملح

الشرطة الجبائية بتونس تحقق في تهرب ضريبي بقطاع الملح

بملايين اليوروهات: “الشرطة الجبائية” في تونس تفتح الصندوق الأسود لقطاع الملح وتكشف خطة تهريب الأرباح للخارج

تونس — منصة “سبق” الرقمية

فتحت فرقة الأبحاث ومكافحة التهرب الجبائي في تونس، والمعروفة بـ “الشرطة الجبائية”، ملفاً حارقاً من الوزن الثقيل يتعلق بحوكمة الثروات الطبيعية الوطنية، حيث شرعت منذ مطلع سنة 2026 في مباشرة تحقيقات ميدانية موسعة وتقصٍّ معمق حول شبهات تلاعب مالي وتلاعب بالأسعار في قطاع إنتاج الملح وتصديره، وسط توقعات بتكبد الدولة التونسية خسائر فادحة تقدر بمئات الملايين من اليوروهات سنوياً.

وكشف مصدر رفيع المستوى من وزارة المالية ، أن هذه التحريات الإستراتيجية لا تستهدف مجرد مراجعات عادية، بل تقود نحو كشف نمط مشبوه ومنظم للتلاعب الضريبي وتدقيق آليات استغلال قطاع يدر عائدات مالية ضخمة تذهب في معظمها إلى جيوب مجموعات أجنبية على حساب الخزينة العامة وميزان الدفوعات.

تصدير بأسعار زهيدة لشركات “أُم”.. كيف تُهرّب ثروات الملح التونسي؟

أفصح المتحدث المسؤول بوزارة المالية عن معطيات وصفت بـ “الصادمة”، تشرح الحيلة المالية واللوجستية التي تعتمدها الشركات الأجنبية المنتصبة في تونس لتفادي دفع الضرائب وتحقيق أرباح غير مشروعة صلب النقاط التالية:

  • حيلة المعاملات البينية: تقوم الشركات الأجنبية ببيع الملح التونسي المستخرج إلى شركات “أُم” أو شركات واجهة تابعة لها في الخارج بأسعار منخفضة جداً وزهيدة لا تعكس قيمتها السعرية الحقيقية.

  • تضخيم الأرباح في الخارج: بمجرد وصول الشحنات للخارج، تعيد هذه المجموعات ترويج الملح في الأسواق العالمية بأسعار مرتفعة جداً تتوافق مع البورصات المعتمدة.

  • تجفيف الموارد الوطنية: يفضي هذا الأسلوب المشبوه إلى إبقاء العائدات المالية والربحية المسجلة داخل تونس ضعيفة وشبه منعدمة، بينما تُرحّل الأرباح الحقيقية والضخمة للخارج، مما يحرم الدولة من موارد جبائية ونقدية هامة بالعملة الصعبة.

البون الشاسع: مقارنة أسعار الملح في الأسواق العالمية مقابل الثمن المستخرج

لإدراك حجم التلاعب المالي، تظهر المقارنة الاقتصادية هوة سحيقة بين ما يقيد في الدفاتر التونسية وبين الأسعار العالمية للملح والتي تتوزع وفق جودته وتعبئته كالتالي:

  • ملح المائدة والطهي العادي: يتراوح سعره في المساحات التجارية العالمية بين 0.60 و1.50 يورو للكيلوغرام (أي ما يعادل 2.04 إلى 5.10 دنانير تونسية).

  • الاستعمالات الصناعية وإذابة الجليد: يتراوح سعر البيع بالجملة (سائباً أو في أكياس) بين 0.15 و0.40 يورو للكيلوغرام (بين 0.51 و1.36 دينار تونسي).

  • الأملاح البحرية الحرفية: يتراوح سعرها بين 7 و15 يورو للكيلوغرام (بين 23.8 و51 ديناراً تونسياً).

  • الأملاح الفاخرة وزهرة الملح (Fleur de Sel): يرتفع سعرها بوضوح ليتراوح بين 30 وأكثر من 55 يورو للكيلوغرام الواحد (أي ما بين 102 وأكثر من 187 ديناراً تونسياً).

التدقيق الشامل: 14 شركة و20 موقع إنتاج تحت مجهر الرقابة الجبائية

أكدت مصادر وزارة المالية أن التحركات الرقابية الجارية لا تستثني أحداً، وهي تغطي شبكة ممتدة على طول الشريط الساحلي التونسي:

  1. تغطية الشركات: تشمل عمليات التحرّي وحجز الوثائق حالياً 14 شركة مستغلة للملاحات، أغلبها شركات ذات رأس مال أجنبي، وتتنوع بين شركات دخلت طور الإنتاج الفعلي وأخرى في المراحل التحضيرية.

  2. الامتداد الجغرافي: تمتد العمليات الرقابية والاستقصائية عبر أكثر من 20 نقطة إنتاج وموقعاً لوجستيّاً مخصصاً لجمع البيانات المالية، وتتوزع على ولايات: صفاقس، جرجيس، قابس، المنستير، المهدية، وسوسة.

  3. مراجعة إستراتيجية بعيدة المدى: شرعت جهات الاستقصاء في تدقيق كافة البيانات وشروط البيع عبر آلية “التصريح بالبيانات” لتشمل المعاملات المالية التي جرت خلال العشرين سنة الماضية لتحديد حجم الثروة المستخرجة فعلياً.

صلاحيات الشرطة الجبائية وتطبيق المعايير الدولية

تندرج هذه الحملة القوية في إطار التزام تونس بالقواعد الدولية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، والتي تُلزم الدول باعتماط طرق علمية لتحديد الأثمان الواجب تطبيقها في العمليات التجارية بين الشركات المترابطة (أسعار التحويل) لغلق منافذ التهرب، علماً أن تونس كانت سباقة عربياً وإفريقياً في المصادقة على هذه التدابير وتضمينها في تشريعها الوطني.

وتقود هذه الأعمال فرقة الأبحاث ومكافحة التهرب الجبائي (الشرطة الجبائية)، وهي سلك خاص تابع للإدارة العامة للأداءات تم إحداثه في أكتوبر 2017 ودخل طور النشاط الفعلي في جانفي 2018. وتمارس الفرقة وظائفها تحت إشراف الوكلاء العامين لدى محاكم الاستئناف، وتمتلك قانونياً حق “التعهد التلقائي” للبحث في المخالفات الجبائية الجزائية بكامل تراب الجمهورية، إلى جانب التعهد القضائي من وكلاء الجمهورية وحكام التحقيق.

إنتاج وطني ضخم.. وحقوق المستثمرين خط أحمر

تكمن الأهمية القصوى لهذا الملف الحارق في كون تونس تعد منتجاً ومصدراً رئيساً للملح؛ إذ يبلغ حجم الإنتاج السنوي الإجمالي مادة الملح نحو 2 مليون طن، يوجه معظمه (سواء الملح الغذائي أو الصناعي الذائب) نحو الأسواق العالمية، وتسيطر الشركات الأجنبية على الحصة الأكبر منه.

وفي ختام تصريحاتها، شددت المصادر المسؤولة بوزارة المالية على أن هذا التدقيق والتحقق الميداني والمالي السريع لا يهدف بأي حال من الأحوال إلى “تخويف المستثمرين” أو ضرب مناخ الأعمال في البلاد، بل يتنزل تماماً في خانة فرض سيادة القانون، واحترام الاتفاقيات الدولية، وحماية حقوق الدولة التونسية في ثرواتها الطبيعية بكل شفافية.

يذكر أن “الشرطة الجبائية” تمتلك سجلاً حافلاً في ضرب شبكات التهرب الاقتصادي؛ حيث كانت قد كشفت مع أواخر سنة 2025 عن حجم تهرب ضريبي قياسي في مجال صناعة وتجارة الخمور في تونس ناهز 1800 مليون دينار.

عن admin

شاهد أيضاً

وزارة التعليم العالي تعلن مناظرة لانتداب 18 فنياً سامياً في التغذية البشرية

وزارة التعليم العالي تعلن مناظرة لانتداب 18 فنياً سامياً في التغذية البشرية

لضمان سلامة الوجبات الجامعية: وزارة التعليم العالي تفتح مناظرة لانتداب 18 فنيّاً سامياً أول في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *