حراك سياسي ودبلوماسي مكثف في ليبيا لكسر الجمود المؤسساتي
بقلم المحلل السياسي ادريس احميد

تشهد ليبيا خلال الفترة الأخيرة حراكًا سياسيًا ودبلوماسيًا متزايدًا، في ظل استمرار حالة الجمود التي فرضها الانقسام المؤسساتي وتعثر المسارات السابقة في الوصول إلى تسوية تنهي المرحلة الانتقالية وتفتح الطريق أمام بناء دولة مستقرة.
وفي هذا السياق، برزت المبادرة الأمريكية باعتبارها محاولة جديدة لكسر حالة الجمود، من خلال التواصل المباشر مع الأطراف الليبية المؤثرة، وبالتوازي مع جهود بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، التي تقود المسار السياسي المعترف به دوليًا.
وتستند المقاربة الأمريكية الجديدة إلى قناعة بأن نجاح أي حل سياسي لا يرتبط فقط بالحوار، وإنما بقدرة الأطراف المشاركة على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، خاصة أن التجارب السابقة أثبتت أن الاتفاقات التي لا تحظى بتوافق القوى الفاعلة على الأرض تبقى عاجزة عن تحقيق نتائج عملية.
وأكد المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي إلى ليبيا مسعد بولس أن المبادرة الأمريكية مكملة لخارطة الطريق الأممية، وأن اختيار من يقود المرحلة المقبلة هو شأن ليبي، مشيرًا إلى أن أي توافق بين الأطراف الليبية يمكن أن يقود إلى توقيع اتفاق في واشنطن بحضور الرئيس دونالد ترامب، وهو ما يعكس رغبة أمريكية في نقل الملف الليبي من مرحلة المشاورات إلى مرحلة التفاهمات السياسية الفعلية.
وفي هذا الإطار، جاءت زيارة الفريق أول صدام حفتر إلى واشنطن ولقاؤه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بحضور مسعد بولس، لتشكل محطة مهمة في مسار التواصل الأمريكي مع الأطراف الليبية.
فاللقاء، الذي يعد الأول المعلن بين مسؤول ليبي رفيع وإدارة ترامب الحالية، يحمل دلالة سياسية باعتباره يعكس اهتمام واشنطن بالتواصل مع مختلف القوى المؤثرة في المشهد الليبي، ويدرك أهمية دور المؤسسة العسكرية في أي ترتيبات أمنية وسياسية مستقبلية.
ولا يعني هذا التحرك انحيازًا لطرف على حساب آخر، بقدر ما يعكس توجهًا أمريكيًا يقوم على ضرورة إشراك الأطراف القادرة على التأثير في تحقيق الاستقرار، خاصة أن توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية يمثل أحد الشروط الأساسية لإنجاح أي عملية سياسية أو انتخابية.
وقد حظيت المبادرة الأمريكية باهتمام إقليمي ودولي، خاصة بعد اللقاءات التي جمعت أطرافًا فاعلة في الملف الليبي، وهو ما يعكس إدراكًا مشتركًا بأن استمرار الأزمة لم يعد يؤثر على ليبيا فقط، بل يمتد إلى أمن المنطقة وملفات الطاقة والهجرة والاستقرار في شمال أفريقيا.
ورغم الترحيب الشعبي الواسع بأي مسار ينهي الانقسام، فإن نجاح المبادرة سيبقى مرتبطًا بقدرة الأطراف الليبية على تجاوز المصالح الضيقة، والتوافق حول تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، وتوحيد المؤسسات، ومعالجة الملفات الأمنية والاقتصادية.
فالانتخابات تظل هدفًا أساسيًا، لكنها تحتاج إلى بيئة مستقرة ومؤسسات موحدة، لأن إجراءها في ظل استمرار الانقسام الأمني والسياسي قد يعيد إنتاج الأزمة بدل إنهائها.
إن المبادرة الأمريكية، مدعومة بالمسار الأممي، تمثل فرصة جديدة أمام ليبيا للخروج من دائرة المراحل الانتقالية المتكررة، لكن نجاحها لن يتوقف فقط على الدعم الدولي، بل على إرادة الليبيين في تحويل هذه الفرصة إلى مشروع وطني ينهي الانقسام ويؤسس لدولة موحدة ومستقرة.