العالم على فوهة بركان.. هل اقتربت لحظة الانفجار الكبير؟
بقلم الدكتور محمود سيد محمد- المؤسسة المصرية للدراسات السياسية والإستراتيجية

لم يعد الخطر في المشهد الدولي مرتبطًا بعدد الحروب المشتعلة، بل باحتمال تزامنها وخروج إحداها عن السيطرة. فالحرب الروسية الأوكرانية مستمرة، والتوتر حول تايوان يهدد بإشعال مواجهة أمريكية صينية، بينما تضغط أزمات الشرق الأوسط والقرن الأفريقي على أمن الطاقة والممرات البحرية.
ووفقًا لتقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام «سيبري»، المنشور في 27 أبريل 2026، بلغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.887 تريليون دولار خلال عام 2025، بزيادة حقيقية بلغت 2.9% عن العام السابق. وارتفع الإنفاق الأوروبي بنسبة 14%، والإنفاق في آسيا وأوقيانوسيا بنسبة 8.1%. وتعكس هذه الأرقام استعداد الدول لبيئة أمنية أكثر اضطرابًا، لكنها لا تعني أن الحرب العالمية أصبحت حتمية.
روسيا وأمريكا.. اتصالات لا تنهي الصراع
في أكتوبر الجاري، عادت الاتصالات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الواجهة. وذكرت وكالة رويترز، في تقرير نشرته يوم 10 أكتوبر، أن مكالمتهما استمرت نحو 90 دقيقة، وسط استمرار الخلافات حول الحرب الأوكرانية ومستقبل الأراضي التي تسيطر عليها روسيا.
المعضلة أن موسكو تريد تثبيت مكاسبها وضمانات أمنية، بينما ترفض كييف تحويل خسائر الحرب إلى تنازلات دائمة. وتواجه واشنطن صعوبة في الموازنة بين فرص التسوية والتزاماتها تجاه حلفائها الأوروبيين.
الخطر الأكبر لا يكمن في استمرار القتال وحده، بل في وقوع حادث عسكري يهدد دولة عضوًا في حلف شمال الأطلسي، أو انهيار الاتصالات بالتزامن مع توسيع الهجمات. عندها قد تتجاوز الأزمة حدود أوكرانيا، وإن ظل تجنب المواجهة المباشرة مصلحة مشتركة للأطراف المعنية.
تايوان.. اختبار الإرادة الأمريكية الصينية
في آسيا، تظل تايوان نقطة الاحتكاك الأكثر حساسية بين واشنطن وبكين. وذكرت وكالة رويترز، في 10 أكتوبر، أن الولايات المتحدة وصفت تحركات بحرية صينية قرب الجزيرة بأنها مزعزعة للاستقرار.
قد لا يبدأ التصعيد بغزو بري، بل بقيود على الملاحة أو حصار بحري يختبر رد الفعل الأمريكي. وإذا تعطلت حركة السفن أو إمدادات أشباه الموصلات، فستتجاوز التداعيات آسيا إلى صناعات السيارات والاتصالات والتكنولوجيا عالميًا.
والمؤشر الأهم ليس المناورات وحدها، بل استمرار تعطيل الملاحة، وتعبئة وسائل الإمداد، وفرض قيود فعلية على حركة السفن والطائرات. فهذه الإجراءات أكثر دلالة من التصريحات السياسية على انتقال الأزمة إلى مرحلة جديدة.
الشرق الأوسط.. فاتورة التصعيد تصل إلى مصر
تزداد خطورة المواجهة الإقليمية عندما تقترب من مضيق هرمز وباب المندب، وهما ممران أساسيان لتجارة الطاقة والملاحة الدولية. وفي تقرير نشرته رويترز يوم 9 أكتوبر، ذكرت الوكالة أن خام برنت أغلق عند نحو 104.72 دولار للبرميل، وسط عوامل شملت التوترات الإقليمية واضطرابًا في الإنتاج الأمريكي بسبب إعصار.
ولا يمكن إرجاع السعر إلى الصراع وحده، لكن اضطراب الإمدادات والملاحة قد يرفع تكاليف الشحن والتأمين والطاقة.
بالنسبة إلى مصر، لا يقتصر التأثير على إيرادات قناة السويس؛ فارتفاع النفط وتكلفة النقل قد يضغطان على فاتورة الاستيراد والأسعار المحلية. لذلك، فإن استمرار تعطيل أحد الممرين البحريين سيكون مؤشرًا أخطر من الارتفاع المؤقت في أسعار الطاقة.
القرن الأفريقي.. حسابات تتجاوز الحدود
في 10 أكتوبر، ذكرت رويترز أن إريتريا طلبت تدخل مجلس الأمن في ظل تصاعد التوتر مع إثيوبيا، وسط اتهامات متبادلة بشأن تحركات عسكرية داخل إقليم تيغراي. وأشارت الوكالة إلى أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من بعض المزاعم الميدانية، وهو ما يستوجب التمييز بين الاتهامات والوقائع المؤكدة.
يتجاوز الخلاف حدود البلدين؛ فإثيوبيا، التي فقدت منفذها البحري باستقلال إريتريا عام 1993، تسعى إلى تأمين الوصول إلى البحر، بينما تخشى أسمرة من المساس بسيادتها. كما أثارت مذكرة التفاهم الإثيوبية مع إقليم أرض الصومال عام 2024 توترًا مع الحكومة الصومالية.
تتابع القاهرة هذه التطورات بسبب أمن البحر الأحمر واستقرار السودان والصومال والخلاف حول سد النهضة. لكن حماية المصالح المصرية لا تعني دخول الحرب تلقائيًا؛ فالقرار العسكري يرتبط بطبيعة التهديد وحجمه والبدائل السياسية المتاحة.
متى يصبح الانفجار الكبير أقرب؟
يمكن تصور ثلاثة مسارات: استمرار الأزمات تحت سقف المواجهة الإقليمية، أو اتساع حرب واحدة بما يستدعي تدخل أطراف جديدة، أو تزامن أزمتين كبيرتين بما يشتت قدرات القوى الكبرى ويضعف فرص الاحتواء.
ولا تتوافر بيانات علنية كافية لمنح هذه السيناريوهات نسبًا احتمالية موثوقة. لكن أربعة مؤشرات تستحق المراقبة: تعطيل مستمر للممرات البحرية، وتعبئة عسكرية تتجاوز المناورات المعتادة، وانهيار قنوات الاتصال، واتساع الهجمات لتشمل دولًا لم تكن طرفًا مباشرًا في النزاع.
بالنسبة إلى مصر، تفرض هذه المخاطر متابعة الملاحة في البحر الأحمر، والاستعداد لتقلبات الطاقة والشحن، وتعزيز الاتصالات الدبلوماسية مع الأطراف الإقليمية والدولية.
العالم يواجه خطر تصعيد متزامن، لكن ذلك لا يجعل الحرب العالمية حتمية. فاجتماع تعطيل الممرات البحرية مع مواجهة مباشرة بين قوى كبرى قد يحوّل أزمة إقليمية إلى صراع أوسع يصعب احتواء نتائجه. والسؤال الحقيقي ليس متى تندلع الحرب العالمية، بل هل تستطيع الدبلوماسية منع الشرارة التالية من إشعال جبهات أخرى؟