هل تواجه منظمة أوبك خطر الانهيار بعد انسحاب الإمارات وتلويح العراق؟
هل تواجه منظمة أوبك خطر الانهيار بعد انسحاب الإمارات وتلويح العراق؟

تقرير سبق _هل تواجه منظمة أوبك خطر الانهيار بعد انسحاب الإمارات وتلويح العراق؟

بعد انسحاب الإمارات وتلويح العراق بالمغادرة.. هل تواجه “أوبك” خطر الانهيار وعودة حرب الأسعار المفتوحة؟

تونس — منصة “سبق” الرقمية 

تواجه منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) واحدة من أعنف وأخطر الأزمات الهيكلية والإستراتيجية منذ تأسيسها قبل أكثر من ستة عقود.

وجاءت هذه الهزة الارتدادية العنيفة عقب إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة انسحابها رسمياً من المنظمة في ماي 2026، بالتزامن مع تلميحات قوية ومؤثرة من مسؤولين في العراق —ثاني أكبر منتج في المنظمة وأحد أبرز مؤسسيها التاريخيين— بإمكانية مغادرة التكتل النفطي إذا لم تتم مراجعة حصص الإنتاج المخصصة لبغداد بشكل عاجل ومنصف.

تثير هذه التطورات المتلاحقة وغير المسبوقة جملة من التساؤلات الواسعة والمخاوف الجدية حول مستقبل المنظمة، التي هيمنت لعقود طويلة على إدارة المعروض النفطي وضبط أسواق الطاقة العالمية والتأثير المباشر في حركة الأسعار صعوداً وهبوطاً.

وتأتي هذه الأزمة الداخلية في وقت حرج تعاني فيه أسواق الطاقة من تحولات جيوسياسية متسارعة، يقودها صعود الإنتاج الأمريكي وتنامي المنافسة الشرسة من خارج المنظمة.

من الريادة المطلقة إلى صراع البقاء: تحولات تكتل “أوبك”

تأسست منظمة أوبك عام 1960 في العاصمة العراقية بغداد على يد خمس دول رئيسية هي: العراق، والمملكة العربية السعودية، والكويت، وإيران، وفنزويلا.

وكان الهدف الأساسي والمشترك من هذا التحالف التاريخي هو تنسيق السياسات النفطية للدول الأعضاء، والدفاع عن مصالحها السيادية، والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة في مواجهة الاحتكارات والشركات النفطية الغربية الكبرى.

وعلى مدى عقود، نجحت المنظمة في صياغة المشهد الاقتصادي والجيوسياسي العالمي.

ورغم تراجع بعض من نفوذها الاحتكاري المطلق مقارنة بحقبتي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، إلا أن “أوبك” لا تزال تحتفظ بثقل ديمغرافي وإستراتيجي هائل في معادلة الطاقة العالمية؛ إذ تمتلك الدول الأعضاء فيها نحو 1.24 تريليون برميل من الاحتياطات النفطية المؤكدة، وهو ما يعادل تقريباً 80% من إجمالي الاحتياطيات العالمية، فضلاً عن تمثيلها نسبة وازنة من الإنتاج والصادرات اليومية للنفط الخام.

غير أن التماسك الهيكلي للمنظمة بدأ يتعرض لتصدعات متتالية خلال السنوات الأخيرة بفعل تباين المصالح الوطنية للاعبين الكبار، وتضارب الرؤى الاقتصادية بعيدة المدى.

وبدأت سلسلة الانسحابات بمغادرة قطر للمنظمة عام 2019 للتفرغ لقطاع الغاز الطبيعي، تلتها الإكوادور في عام 2020، ثم أنغولا في مطلع عام 2024، وصولاً إلى القرار الإماراتي الصادم في ماي 2026، والذي يمثل الخروج الأكبر والأكثر تأثيراً من حيث القدرة الإنتاجية والاستثمارية والتكنولوجية في تاريخ المنظمة الحديث.

الجغرافيا السياسية للمغادرة: لماذا تمردت أبوظبي وتذمرت بغداد؟

تستند الخلفيات التي دفعت الإمارات نحو فك الارتباط بـ “أوبك” إلى رغبة أبوظبي في انتهاج سياسة نفطية واقتصادية أكثر استقلالية ومرونة، تتناغم مع خططها التوسعية الضخمة ومشاريعها الاستثمارية لتطوير وزيادة قدراتها الاستخراجية خلال السنوات المقبلة لتصل إلى سقف 5 ملايين برميل يومياً.

وتعتبر الإمارات من أكثر المنتجين كفاءة وقدرة على ضخ كميات إضافية بكلفة منخفضة، وقد رأت في سقف الإنتاج الصارم المقر من “أوبك” عائقاً يحول دون تعظيم عائداتها السيادية وتحقيق تطلعاتها التنموية بعيدة المدى.

أما المعضلة العراقية فتكتسي أبعاداً تاريخية وسياسية أكثر تعقيداً وحساسية؛ فالعراق ليس مجرد عضو عابر، بل هو الأرض التي شهدت ولادة المنظمة قبل 66 عاماً.

وتطالب بغداد بإلحاح برفع حصتها الإنتاجية المقررة، مستندة إلى أن قدراتها الإنتاجية الفعلية على أرض الواقع في حقول البصرة وكركوك تفوق بكثير الحصص الحالية الممنوحة لها ضمن اتفاقيات خفض الإنتاج.

وتواجه الحكومة العراقية ضغوطاً مالية واقتصادية خانقة، حيث تحتاج إلى تعظيم الصادرات النفطية لتأمين موارد مالية كافية لتمويل الموازنة العامة، وإعادة إعمار البنى التحتية المتهالكة جراء عقود من الحروب، والاستثمار في قطاعات الغاز المصاحب والطاقة المتجددة. ورغم محاولات وزارة النفط العراقية تهدئة الأسواق عبر التأكيد على أن الانسحاب ليس قراراً رسمياً مطروحاً على الطاولة في الوقت الراهن، إلا أن تلويح مسؤولين عراقيين بارزين بأن “كل الخيارات تظل مفتوحة” يعكس عمق الخلافات داخل كواليس التكتل.

صعود واشنطن المستمر: المستفيد الأكبر من تشرذم “أوبك”

يقف وراء هذه الخلافات الداخلية في أوبك محرك خارجي بالغ الأهمية؛ وهو الصعود الصاروخي للولايات المتحدة الأمريكية كأكبر منتج للنفط الخام في العالم، مستفيدة من طفرة النفط الصخري والتطور التكنولوجي.

لم تعد واشنطن مجرد مستهلك يخشى قرارات أوبك كما كان الوضع في سبعينيات القرن الماضي، بل تحولت إلى لاعب مهيمن يضخ أكثر من 13 مليون برميل يومياً.

هذا التدفق المستمر للنفط الأمريكي خارج مظلة أوبك يضعف قدرة المنظمة على المناورة؛ فكلما قررت أوبك خفض إنتاجها لدعم الأسعار، سارعت شركات النفط الأمريكية والمنتجون المستقلون في دول مثل البرازيل وغيانا وكندا إلى ملء الفراغ ورفع إنتاجهم، مما يؤدي إلى تآكل الحصة السوقية لأعضاء أوبك وتراجع إيراداتهم لصالح المنافسين، وهو ما يفسر نفاد صبر الإمارات والعراق من سياسة القيود المستمرة.

تبعات الانهيار: من حرب الأسعار إلى تضرر الدول المستوردة (تونس نموذجاً)

يجمع خبراء ومحللو أسواق الطاقة على أن سيناريو خروج العراق —إن تحقق— سيمثل “الضربة القاضية” التي قد تنهي منظمة أوبك بشكلها الحالي، نظراً للوزن الثقيل والمكانة الرمزية لبغداد.

مثل هذا التطور من شأنه أن يخلق تأثير الدومينو، ويحفز دولاً أخرى على المطالبة بامتيازات مماثلة أو التلويح بالمغادرة.

وفي حال فقدت المنظمة قدرتها المركزية على تنسيق وإدارة المعروض النفطي، فإن الأسواق ستلجأ إلى سيناريوهات معقدة أبرزها:

  • حرب الأسعار والمنافسة المفتوحة: غياب الضوابط سيدفع المنتجين إلى الدخول في منافسة حرة وشرسة لزيادة حصصهم السوقية، مما سينتج عنه تدفق كميات ضخمة من النفط الخام وفائض كبير في المعروض العالمي.

  • انهيار الأسعار: الاندفاع نحو الضخ الأقصى للتعويض المالي سيمارس ضغوطاً نزولية حادة وصادمة على أسعار البرميل، مما قد يهوي بها إلى مستويات متدنية جداً.

ورغم أن انهيار أسعار النفط قد يبدو في ظاهره خبراً إيجابياً للدول المستوردة للطاقة والتي تعاني من عجوزات هيكلية في موازناتها مثل تونس، إلا أن التبعات على المدى المتوسط والبعيد تحمل مخاطر وخيمة.

إن حدوث فوضى وسقوط حاد في أسعار النفط سيؤدي مباشرة إلى ركود اقتصادي لدى الشركاء التجاريين لتونس في الخليج العربي والجزائر وليبيا، مما يعني تراجع الاستثمارات الأجنبية الوافدة، وانخفاض تحويلات التونسيين بالخارج، وتضرر الصادرات التونسية نحو هذه الأسواق الحيوية، فضلاً عن حالة عدم اليقين التي ستشل الاستثمارات العالمية في قطاع الطاقة النظيفة والبديلة.

هل الانهيار حتمي أم أن آليات الضبط ستنقذ المنظمة؟

على الرغم من قتامة المؤشرات الراهنة وخطورتها البالغة، يرى طيف واسع من المحللين الاقتصاديين أن الحديث عن “وفاة” أو انهيار كامل لمنظمة أوبك ما يزال سابقاً لأوانه ويفتقر للواقعية التامة.

فالأعضاء التاريخيون الكبار، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية والكويت وإيران، يدركون جيداً أن التخلي عن المنظمة يعني الدخول في نفق مظلم من الفوضى السعرية والإنتاجية التي لا تخدم مصالح أحد. وتظل “أوبك” في نظر هؤلاء الأداة الحمائية الضرورية والوحيدة لمنع تدهور أسواق النفط، والحفاظ على حد أدنى من التوازن الإستراتيجي، والدفاع عن القيمة العادلة لثرواتهم الناضبة.

ومع ذلك، فإن الأزمة المعاصرة التي تعيشها المنظمة بحلول منتصف عام 2026 تثبت بوضوح أن النموذج التقليدي لـ “أوبك” قد استنفد جزءاً كبيراً من مرونته، وأن المنظمة تمر باختبار تاريخي مفصلي سيعيد حتماً رسم خريطة النفوذ، وصياغة قواعد اللعبة في قطاع الطاقة العالمي خلال السنوات القليلة المقبلة.

عن admin

شاهد أيضاً

تونس ترأس مجلس كوبيا لرقابة القوائم المالية لمنظمة الكوميسا 2026

تونس ترأس مجلس كوبيا لرقابة القوائم المالية لمنظمة الكوميسا 2026

ريادة إقليمية وقضائية: محكمة المحاسبات التونسية تقود الرقابة الخارجية للـ”كوميسا” وتستعد لإصدار تقريرها الـ35 تونس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *