الملف الدستوري الليبي على طاولة التشريح: هل يفتح الاستفتاء الشعبي باب الشرعية الدائمة أم تجاوز الزمن وثيقة 2017؟
طرابلس — منصة “سبق” الرقمية
بقلم :قسم الشؤون المغاربية والدراسات الجيوسياسية
تدخل الدولة الليبية عامها الخامس عشر وسط دوامة مفرغة من المراحل الانتقالية المتعاقبة، والترتيبات السياسية المؤقتة التي لم تفلح سوى في إعادة إنتاج الأزمة وتعميق الانقسام المؤسساتي بين شرق البلاد وغربها.
وفي الوقت الذي تبحث فيه القوى الدولية والإقليمية عن صيغ جديدة لتقاسم السلطة وتأمين مرحلة انتقالية أخرى، يبرز السؤال الجوهري الذي يطرحه فقهاء القانون والشارع الليبي على حد سواء: لماذا يُصرّ صناع القرار والفاعلون الدوليون على القفز فوق المسار الدستوري الدائم والشرعي، والتعويل على مسكنات سياسية مؤقتة؟
وتأتي التصريحات الأخيرة لرئيس الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الليبي، الدكتور مراجع علي نوح، لتعيد فتح هذا الملف الشائك على مصراعيه؛ إذ أكد أن الاستفتاء على مشروع الدستور المنبثق عن إرادة شعبية انتخابية هو المخرج الإستراتيجي الأمثل والوحيد لإنهاء التنازع على الشرعيات، معتبراً أن استبعاد وثيقة 2017 ليس عجزاً قانونياً بقدر ما هو تواطؤ سياسي من أطراف راكمت نفوذها وثرواتها في ظل الوضع الراهن المتردي.
صراع المبادرات الدولية: إغراق المشهد وإطالة أمد الانسداد
يشهد المشهد الليبي اليوم تزاحماً لافتاً في الأجندات والمبادرات الدولية، وهي ظاهرة يرى فيها المراقبون محاولة واضحة للالتفاف على الهيئات الوطنية المنتخبة وإبقاء الملف الليبي رهن التوازنات الخارجية.
ويمكن حصر هذا الصراع الدولي في مسارين رئيسيين يهيمنان على أروقة النقاش:
أولاً: مسار “الحوار المهيكل” برعاية الأمم المتحدة
يقترح هذا المسار، الذي تتبناه وتيسره بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، صياغة خارطة طريق جديدة تقضي بإنشاء مرحلة انتقالية رابعة (أو خامسة) تمتد لـ 24 شهراً.
تهدف هذه المرحلة بحسب الرؤية الأممية إلى تهيئة الأرضية الفنية واللوجستية لإجراء انتخابات عامة، غير أن هذه المقاربة تواجه انتقادات حادة كونها تعيد إنتاج الترتيبات السابقة ذاتها (مثل اتفاق الصخيرات، وملتقى الحوار السياسي في جنيف) التي انتهت دائماً بظهور حكومتين متنافستين وانقسام تشريعي وتنفيذي.
ثانياً: المبادرة الأمريكية (“مبادرة بولس”)
في المقابل، تدفع واشنطن عبر ما يُعرف إعلامياً بـ”مبادرة بولس” نحو مقاربة مغايرة تعتمد على الضغط لتشكيل سلطة تنفيذية موحدة وقوية تجمع بين حكومتي الشرق والغرب بشكل مؤقت، لقيادة البلاد مباشرة نحو صناديق الاقتراع لتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة.
العيب الهيكلي الذي يراه الخبراء في هذه المبادرة هو إسقاطها المتعمد للسقف الزمني؛ إذ تكتفي بالقول إن الاستحقاق سيتم “في أقرب وقت ممكن”، مما يفتح الباب لتأجيلات لا متناهية وتثبيت وجوه السلطة الحالية تحت مسميات تحالفية جديدة.
موقف الهيئة التأسيسية من الوصاية الخارجية: وفي هذا الصدد، أشار الدكتور مراجع علي نوح إلى أن الهيئة وجهت مذكرات رسمية شديدة اللهجة إلى البعثة الأممية، والاتحاد الأوروبي، والفاعلين الإقليميين، شددت فيها على أن الحلول المستدامة لا يمكن فرضها عبر “صيغ معلبة” قادمة من الخارج، بل تنبع من احترام الإرادة الشعبية وتمكين المواطن الليبي من ممارسة حقه الدستوري عبر التصويت بـ (نعم أو لا) على مسودة دستور 2017.
وحذّر نوح من أن إغراق المشهد بالمبادرات المتعددة يعيد النقاش في كل مرة إلى نقطة الصفر، مستنزفاً الوقت والجهد ومطوّلاً لسنوات الضياع الانتقالي.
جذور الأزمة الدستورية: من الإعلان المؤقت إلى تعديلات “6+6” العاجزة
لتفكيك المعضلة الحالية، لا بد من العودة إلى الجذور القانونية التي تأسست عليها المرحلة الانتقالية عقب سقوط النظام السابق عام 2011.
فقد أصدر المجلس الوطني الانتقالي آنذاك “الإعلان الدستوري المؤقت” الذي تألف من 37 مادة نظمت على عجل الحقوق والحريات وهيكلية السلطة المبدئية.
وكان من المفترض أن يكون هذا الإعلان وثيقة قصيرة الأجل تدير شؤون البلاد لأشهر معدودة، إلا أنه تحول إلى “نص مطاطي” خضع لـ 13 تعديلاً دستورياً متتالياً حتى عام 2023.
ويعزو الأستاذ عبد الواحد اللافي، مدير مكتب دعم السياسات البرلمانية والبحوث بديوان مجلس النواب، طول أمد الأزمة إلى طبيعة هذا الإعلان نفسه، مؤكداً أن محاولة معالجة واقع سياسي شديد التعقيد ومسلح بأدوات قانونية صُممت لمرحلة استثنائية طارئة كان خطأً إستراتيجياً فادحاً.
ورغم أن التعديل الدستوري الثالث عشر قد تمخض عنه تشكيل لجنة مشتركة من مجلسي النواب والأعلى للدولة عُرفت بلجنة (6+6) لإعداد القوانين الانتخابية، إلا أن هذه اللجنة صدمت بحائط العقد السياسية الجوهرية التي عجزت النصوص القانونية عن حلها، وأبرزها:
-
شروط ترشح رئيس الدولة: تحديداً الخلاف المحتدم حول أحقية العسكريين في الترشح دون الاستقالة المسبقة، وحظر أو سماح ترشح حاملي الجنسيات المزدوجة (وهي مواد فُصّلت سياسياً لإقصاء أو تمكين شخصيات بعينها).
-
الشرعية التنفيذية المشرفة: الخلاف المستعر حول هوية الحكومة التي ستشرف على الانتخابات وتقدم الدعم اللوجستي والأمني لمفوضية الانتخابات في ظل وجود سلطتين تنفيذيتين في طرابلس وبنغازي.
الانقسام الأكاديمي والسياسي: هل تجاوز الزمن مشروع دستور 2017؟
مع بقاء مشروع الدستور حبيس الأدراج منذ إقراره من قبل الهيئة التأسيسية عام 2017، ينقسم فقهاء القانون الدستوري والسياسيون في ليبيا إلى تيارين فكريين وإستراتيجيين، يعكس كل منهما رؤية مغايرة لشكل الدولة ومستقبلها:
التيار الأول: يطالب بالمراجعة والتعديل قبل الاستفتاء
يتزعم هذا الطرح أكاديميون ومستشارون قانونيون، من بينهم الدكتورة جازية شعيتير، أستاذة القانون بجامعة بنغازي وعضو اللجنة الاستشارية للمسار الدستوري.
يرى أصحاب هذا الرأي أن التطورات والتحولات الجذرية التي شهدتها الخارطة الليبية على الأرض خلال السنوات الأخيرة جعلت من مسودة 2017 نصاً غير مواكب للواقع الحالي.
ويشير هذا التيار إلى بروز ملفات وقضايا قومية ملحة تتطلب توافقاً مجتمعياً مسبقاً قبل الذهاب إلى الصناديق، ومنها:
-
إعادة إحياء النقاش حول النظام الفيدرالي الإقليمي وتوزيع الثروات بشكل عادل بين الأقاليم الثلاثة التاريخية (برقة، طرابلس، فزان).
-
التمثيل السياسي الحقيقي والمكفول لشرائح معينة مثل ذوي الإعاقة ومكونات المجتمع الثقافية (الأمازيغ، التبو، الطوارق).
-
المطالبة برفع الحد الأدنى لتمثيل المرأة (الكوتا النسائية) في المجالس التشريعية القادمة إلى 35% على الأقل، وهي معطيات يراها هذا التيار غائبة أو غير كافية في مسودة 2017، مما يستوجب صياغة “ميثاق وطني جامع” يعدّل هذه المسارات أولاً.
التيار الثاني: التمسك بالقيمة القانونية الدائمة ورفض الحجج الزمنية
في المقابل، يقف تيار صلب يدافع بقوة عن المسار الشرعي، ويمثله أستاذ القانون الدستوري الدكتور الهادي بوحمرة ومعه رئيس الهيئة.
يرفض هذا التيار جملة وتفصيلاً مقولة “أن الزمن قد تجاوز مشروع الدستور”، منطلقين من قاعدة قانونية راسخة مفادها أن الدساتير لا تُصاغ لسنوات أو لظروف طارئة، بل تُكتب لعقود وأجيال طويلة، وبالتالي فإن عنصر الزمن لا ينقص من قيمتها القانونية أو السياسية شيئاً.
ويؤكد بوحمرة أن الحجج والعيوب الفنية التي تطرحها بعض الأطراف ما هي إلا “ذخيرة سياسية” وذرائع واهية تُستخدم لتعطيل المسار الدستوري خوفاً من الانتقال إلى الشرعية الدائمة.
فإقرار الدستور عبر الاستفتاء ينهي شرعية الأجسام الموازية القائمة والمستفيدة من حالة الفوضى، كما أن نصوص المسودة ليست منقوشة على الحجر؛ إذ يمكن للبرلمان المنتخب القادم تعديل أي مادة خلافية وفقاً للآليات الديمقراطية المرنة التي نص عليها الدستور ذاته بعد استقرار الدولة وثبات مؤسساتها.
دستور الاستقلال لعام 1951: مخرج إستراتيجي أم نكوص إلى الماضي؟
مع استمرار الانسداد التام للمسارات الحديثة، عاد إلى الواجهة أطروحة يراها البعض “رومانسية سياسية” بينما يراها آخرون مخرجاً قانونياً جاهزاً، وهي العودة إلى دستور الاستقلال الصادر عام 1951 (نظام الملكية الاتحادية السابق).
ويرتكز المدافعون عن هذا الخيار على فكرة أن دستور 1951 يمثل الوثيقة الدستورية الشرعية الوحيدة الحاصلة على إجماع وطني وتاريخي قبل سلسلة الانقلابات والحروب التي شهدتها البلاد، وأن العودة إليه —ولو بصفة مؤقتة لتسيير المرحلة— توفر مرجعية دستورية وقانونية متكاملة ومستقرة تغني البلاد عن صراع الصياغات الجديدة.
بالمقابل، تجابه هذه الأطروحة برفض واسع من قطاعات شبابية وحقوقية واسعة يمثلها اللافي وشعيتير؛ إذ يرون أن إحياء دستور صِيغ قبل أكثر من سبعة عقود يعد نكوصاً إلى الوراء، كون آلياته ونصوصه ومفاهيمه السياسية لا تتماشى مطلقاً مع جيل الألفية والتحولات الديمقراطية، وحقوق الإنسان المعاصرة، ولا تقدم حلولاً عملية لمعضلات السلاح المنفلت، والميليشيات، وقضايا المواطنة المعقدة صلب الدولة المدنية الحديثة.
فضلاً عن ذلك، يرى الدكتور بوحمرة أن الليبيين قد حسموا خيارهم وولاءهم القانوني بالفعل عندما توجهوا إلى صناديق الاقتراع عام 2013 وانتخبوا بكثافة هيئة تأسيسية لصياغة دستور جديد، وأن فتح دفاتر الماضي ما هو إلا وسيلة أخرى لتشتيت الجهود وإطالة أمد المأزق.
خلاصة القول: الأزمة أزمة إرادة لا أزمة نصوص
تُثبت القراءة المتأنية للمحطات الدستورية الليبية منذ إعلان الاستقلال، مروراً بالإعلان الدستوري لعام 2011 وصولاً إلى مخرجات 2026، أن معضلة ليبيا لم تكن يوماً عجزاً في صياغة النصوص القانونية أو قلة في الكفاءات التشريعية.
تونس، الجزائر، ومختلف دول الجوار والعالم تدرك أن الأزمة الحقيقية في ليبيا هي “أزمة إرادة سياسية” بامتياز، صُنعت بأيدي طبقة سياسية تقتات على بقاء الوضع الانتقالي معلقاً، وتجد في غياب الدستور الدائم بيئة مثالية للهروب من الاستحقاقات الانتخابية والمحاسبة القانونية والشعبية.
إن بقاء مشروع دستور 2017 بعيداً عن صناديق الاستفتاء يعني استمرار ليبيا رهينة لمبادرات دولية متعارضة وحلول تلفيقية مؤقتة، ولن يكسر هذه الحلقة المفرغة سوى شجاعة سياسية حقيقية تعيد الأمانة إلى أصحابها، وتترك للشعب الليبي وحده حق تقرير مصيره وتحديد ملامح عقده الاجتماعي الدائم.